بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

طـريـق الاتحـــاد

أو

دراسة وتمحيص روايات النص على الأئمة

 

 

بقلم:

حيدر علي قلمداران القمّي

 

 

قدم له:

آية الله العلامة السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي

 

ترجمه عن الفارسية وحققه وعلق عليه

محمود علي زين العابدين

1428هـ-2007 م


 

 

 

 

 

الإهـداء

 

v  إلى أرواح الأئمة الهداة من عترة المصطفى وآل خير الأنام، مصابيح الدجى وأعلام التقى وورثة الأنبياء عليهم السلام.

v  إلى أرواح صحابة خاتم المرسلين، الأبرار الصادقين والأخيار المنتجبين، الذين آمنوا وهاجروا، وجاهدوا وصبروا، وآوَوْا ونَصَروا، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

v       إلى كل ساع وطامح للتقارب والتآلف ووحدة الصفّ بين جميع المسلمين.

المترجم


 

مقدمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد،

فمما لا شك فيه أن كل مؤمن مهتم بأمور المسلمين، يحزنه انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق ومذاهب وطوائف مختلفة وأحياناً متنازعة قد يصل الأمر لحد أن يكفِّر بعضها الآخر، ويقاتل بعضها الآخر، لذا يتمنى الحريصون على وحدة كلمة المسلمين أن يوجد سبيل لإنهاء هذه الخصومات المذهبية أو الحد منها، وذلك عبر نشوء تفهُّم متبادل بين علماء طوائف المسلمين، يتعرّف به كلّ منهم على حقيقة مذهب الآخر، ويتفقون من خلاله على الأصول الأساسية للإسلام، مستقاةً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يعذر بعضهم البعض الآخر في الاجتهادات الفرعية، وفي رؤاهم لحوادث التاريخ الإسلامي، وغير ذلك من الأمور التي لا تمت لجوهر الدين بصلة، ويكون نتيجة ذلك اعتراف كل فريق بإيمان وإسلام ونجاة الفريق الآخر والكفّ نهائياً عن تلقين الأتباعِ كُفْرَ المخالفين أو هلاكَهم في النار، وبذلك تتوحّد صفوف الأمّة وتتآلف قلوب أبنائها تآلفاً حقيقياً لا مصلحياً ظاهرياً، وهو أمرٌ يحتاجه المسلمون أكثر من أيّ وقت مضى في هذا الوقت الذي يواجه فيه المسلمون أعتى التحديات وأشرس العداوة والحروب من أعداء الإسلام وخصومه المعروفين في الشرق والغرب.

ولقد شعر بهذه الحاجة للتقريب الصحيح بين مذاهب الأمة الإسلامية الكبرى - باعتبار أنها نابعة جميعاً في الأصل من الإسلام الحنيف تتحرّك فيه وتتمسّك بأصوله وأن انقسامها لم يكن في الواقع إلا نتيجة لاختلافات أو صراعات سياسية قديمة أكل عليها الدهر وشرب - رجالٌ عقلاءٌ من أهل العلم والفضل وأهل الخير والحرص على الإسلام والمسلمين، فأدركوا ضرورة بذل الجهود لرأب الصدع وإزالة سوء التفاهم الناجم عن جهل أبناء الطوائف الإسلامية ببعضهم البعض، فقاموا بجهود طيبة في هذا المجال، تجَلَّت بتأليف الرسائل والكتب ونشر المقالات حول ضرورة الوحدة الإسلامية، كما تجلّت في دار التقريب التي نشأت في القاهرة - والتي لم تستمرّ لأسباب سياسية - وما كان يصدر عنها من مجلّة تضمّ مقالات ممتازة يكتبها علماء الفريقين، وتلك الموسوعة الفقهية التي جمعت بين دفّتيها آراء المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية، ولا زالت تصدر، ثم تجلّت بمراسلات ولقاءات بين بعض علماء الفريقين السنة والشيعة في العراق وسوريا ولبنان، وفي تجمّع علماء المسلمين في لبنان، وفي دار التقريب التي أنشئت مؤخراً في إيران وفي لبنان وفي ندوات التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تتمّ في بعض الدول العربية والإسلامية سواء في آسيا أو شمال أفريقيا، وفي غير ذلك من الجهود الطيبة المشكورة.

و هذا الكتاب، في رأيي، محاولة طيبة في هذا المجال، من أستاذ فاضل عصامي منصف، من إيران، رأى أن من الأسباب الرئيسية لتباعد وافتراق أتباع مذهبه عن سائر المسلمين، عقيدة النص الإلهي على الأئمة: التي ترى أن الأئمة الاثني عشر من آل البيت عليهم السلام، منصوبون ومعينون من قِبَلِ الله تعالى لإمامة المسلمين السياسية والدينية، مفترضو الطاعة على العالمين بأمرٍ مُنَـزَّلٍ من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالإيمان بهم ومعرفتهم أصلٌ من أصول الدين يساوق أصل الإيمان بالله واليوم الآخر وبنبوّة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، مما يعني بالنتيجة الضرورية، أنه لن تكون هناك نجاة أخروية كاملة لأي مسلمٍ أو لأي إنسان دون معرفة أولئك الأئمة والإيمان بأنهم حكَّام الناس الشرعيين بأمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم معصومون مفترضو الطاعة على العالمين!(1).

فأراد أن يمحِّص صحّة هذه العقيدة ويرى سندها، فتبيّن له أن مستندها مجموعة من الأحاديث والروايات الواهية سنداً ومتناً، المروية من قبل غلاة أو وضَّاعين لا تقوم برواياتهم أي حجة مهما كثرت، ثم تبين له أن القرائن الخارجية من آيات القرآن ووقائع التاريخ وسير الأئمة أنفسهم تؤكد عدم صدور تلك الأحاديث والروايات وبالتالي عدم صحة العقيدة التي انبنت عليها، فضمَّن نتيجة بحثه هذا الكتاب، مبتغياً بذلك إزالة السبب الرئيسي للتباعد العقائدي بين المسلمين من الشيعة الإمامية عن سائر مذاهب المسلمين، وسماه بالفارسية: "شـاهراهِ اتحاد"، أي طريق الاتحاد الواسع، ونشره سنة 1978 م.

و مما يجدر ذكره في هذه المقدمة بأن مؤلف هذا الكتاب - حسبما عرفته شخصياً - كان وبقي إلى آخر حياته شيعي المذهب جعفري الفقه، متيَّماً بعشق الأئمة من آل الرسول رضوان الله وسلامه عليهم أجمعين، وله كتاب يحكي فيه خواطره ولواعجه لدى زيارته قبر سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام وما زرفه من دموع وما ألقاه من خطبة مؤثرة في الصحن الحسيني، وهو يفتخر بأنه جعفري من مقلدي أئمة العترة وأتباع مذهبهم، ويرى أن مذهب العترة هو، بنص حديث الثقلين، أحق المذاهب وأولاها بالاتباع، فلم يكن هدفه من هذا الكتاب - في الحقيقة - نقد أصل التشيع أو ترجيح مذهب آخر عليه، بل المؤلف كان وبقي شيعياً جعفرياً. وهو وإن رأى أن الإمام علياً عليه السلام لم يُنَصَّ بالتصريح والتعيين على حكومته المباشرة أي خلافته السياسية للرسول صلى الله عليه وسلم من قِبَل الله ورسوله، إلا أنه يرى - كما هو واضح في كتابه هذا - النص على إمامته الروحية، فهو مولى المؤمنين وإمام التقين وملاذ الموحدين ومن تجب محبته ونصرته على كل مسلم، ويرى بأنه أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بخلافته وإمامة المسلمين من بعده، لمقامه ومرتبته في الإسلام التي لا يرقى إليها أحد، كل ما في الأمر أنه رأى أن القول بالنص الصريح، من قِـبَل الله تعالى ورسوله، على إمارته وحكومته المباشرة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وحكومة سائر الأئمة من أولاده إلى يوم القيامة، فكرة لا تثْبُت - في رأيه - وسندها إما روايات غير صحيحة أصلاً أو روايات صحيحة ولكن لا تدل على المعنى المراد.

و لذلك أهيب بكل من يطالع هذا الكتاب، سواء اتفق مع مؤلفه أو اختلف، أن يأخذ بعين الاعتبار قصد صاحبه، وأنه رجل مجتهد يحق له أن يبدي وجهة نظره التي انشرح صدره إليها مستنداً إلى الأدلة والبراهين التي ساقها، ولمن أراد أن يردَّ عليه فله أيضا كل الحق بذلك، فلا كلام المؤلف ولا كلام غيره سيكون الكلمة النهائية في هذا الموضوع الشائك، وعلى أي حال فالكتاب بحث عقائدي روائي فقهي محض وليس له أي غرض سياسي، وفي رأيي أن مثل هذه الأبحاث العلمية، من أي طرف كانت، لا يصح اعتبارها مثيرةً للفتنة، لأنها لا تتعارض أبداً مع الحفاظ على وحدة المسلمين وتماسكهم، ما دامت قد اعتمدت أسلوب البحث العلمي الرصين بعيدا عن الشتائم والتشنج والمهاترات، وكما يقال: الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية.


عملي في الكتاب:

أما عملي في هذا الكتاب فلم يقتصر على مجرد الترجمة فحسب، بل قمت بتوثيق اقتباساته، ورجعت لمصادره العربية لأنقل الاقتباسات من أصولها بعين حروفها، وأحياناً لم يتوفر لديّ نفس المصدر الذي رجع المؤلّف إليه فوثَّقْتُ من مصدر مشابه فيه نفس الاقتباس وأحلت إليه، كما هذَّبت بعض عباراته التي كان فيها شيء من الحدّة أو الألفاظ الساخرة، كما أعدت ترتيب بعض فقرات الكتاب التي رأيتها تحتاج لترتيب، واختصرت قليلاً في بعض المواضع القليلة التي رأيت فيها تكراراً أو خروجاً عن الموضوع، ووضعت لبعض فقرات الكتاب عناوين توضيحية أو أصلحت عنوان بعض فقراته لأن العنوان الذي ذكره المؤلف لم يكن واضح الدلالة على ما تحته، فاخترت له عنواناً أوضح، وأحياناً أضفتُ مثالاً آخر أو وسَّعت الاقتباس حيث رأيت أن اقتباسه كان مختصراً وأن الأولى نقله بتمامه من المصدر لأن ذلك يوضح أكثر فكرة المؤلف قيد العرض. كما ترجمت في الحاشية لأغلب الأعلام المذكورين في المتن.

ومن الجدير بالذكر أنني ترجمت الكتاب من نسخةٍ جديدةٍ أرسلها لي أحد الأصدقاء من إيران وذكرَ لي أن بعض أصدقاء المؤلِّف المرحوم كانوا قد أخرجوها منذ سنتين أو ثلاث مصحّحةً ومنقحةً ومحلاةً بحواشي وإضافات قيّمة كان قد دونها على الكتاب مرجع مرحوم هو آية الله البرقعي (الذي قدم للكتاب أيضاً) والعلامة المجتهد الحسيني، فصارت الحواشي كالتالي:

§  التي لم تٌذَيَّل بأي رمز هي للمرحوم مؤلف الكتاب نفسه أعني قلمداران.

§  والمذيَّلة برمز (ت) هي للمترجم أي راقم هذه السطور.

§ والمذيَّلة برمز (برقعي) هي للمرحوم المرجع آية الله السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي، الذي قدم للكتاب.

§  والمذيَّلة برمز (م) للمرحوم العلامة المجتهد الحسيني (من أصدقاء المؤلف).

والخلاصة أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو دراسة اجتهادية تشارك فيها أكثر من كاتب وإن كان المتن الأصلي هو للسيد حيدر علي قلمداران.

و أخيراً فمما يلزم أن أذكره في هذا المقام أيضاً، أن ترجمتي للكتاب لا تعني، بالطبع، أنني أتفق، بالضرورة، مع المؤلف في كل ما ذهب إليه. غاية ما في الأمر أنني رأيت في كتابه بحثاً اجتهادياً جديداً ووجهةَ نظرٍ شيعية جديرةً بأن تطرح في ساحة الحوار، وكما قلت ليس كلامه آخر المطاف في هذه المسألة، ولا هو أول من ذهب إلى هذا الرأي فيها، فرأي المؤلف في هذه المسألة قريب من وجهة نظر الزيدية من الشيعة ويتفق في أحد مناحيه مع وجهة نظر عامة المسلمين من أهل السنة والجماعة في موضوع الإمامة، ولا شك أن جمهور علماء الشيعة سيختلف معه فيما قاله، ولهم الحق في مناقشته فيما كتب، وأتمنى أن يحصل هذا لأنه إن حصل فسيغني ويثري الفكر الإسلامي في هذا المضمار ويصقل المسألة ويبلورها أكثر، وعلى كل حال للمجتهد إن أصاب أجران وإن أخطأ أجر، والحمد لله على رحمته.

نبذة عن مؤلِّف الكتاب:

و قبل اختتام المقدمة لا بد من نبذة مختصرة عن مؤلف هذا الكتاب، ملخصة من رسالة أعطاني إياها أحد معارفه، فقد ولد المرحوم حيدر علي بن إسماعيل قلمداران في قرية "ديزيجان" من أعمال مدينة قـم في إيران سنة 1913 م. من أبوين قرويين فقيرين، وبدأ دراسته بتعلم القرآن الكريم في كتَّاب القرية، وكان شغوفاً جداً بتعلم الكتابة والقـراءة وإتقانها، حتى كان يصنع أقلام الكتابة بنفسه لعجزه عن شرائها لفقره، فسمّوه بـ"قلمداران"، التي ترجمتها: صاحب القلم! كما كان كثير الشغف بالقراءة والبحث ومطالعة الكتب الإسلامية منذ صغره، وما لبث - وهو لا يزال في ريعان الشباب - أن قرض الشعر وأصبح كاتباً في عدد من المجلات التي كانت تصدر في عصره في قم وطهران، وعمل في سلك التدريس في مدارس مدينة قم، وكان يسخِّر قلمه لكتابة المقالات الإسلامية التي يدافع فيها عن تعاليم الدين الحنيف، ويردّ على مخالفي الإسلام، ويدعو لإصلاح الأوضاع وإيقاظ همم المسلمين، وقد جمع هذا الاتجاه الديني الإصلاحي بينه وبين مفكري إيران الإسلاميين التجديديين المنوَّرين في عصره لا سيما المرحوم المهندس مهدي بازركان(2) والمرحوم المعلّم الشهيد الدكتور علي شريعتي، ولكن الشخص الذي تأثّر به المؤلف أكثر من أي شخصية أخرى كان المرجع العراقي المجاهد، والمصلح الكبير آيـة اللـه الشيـخ محمد مهدي الخالصي (رحمه الله) الذي كان آنذاك منفياً إلى إيران من قبل السلطات الإنجليزية في العراق، وكان بدءُ تعرُّفِ المرحوم قلمداران على الشيـخ الخالصي (رحمه الله) عبر ترجمته لكتبه التي أعجب بها كثيراً مثل ترجمته لكتاب "الإسلام سبيل السعادة والسلام" وكتاب "إحياء الشريعة" وهو دورة فقهية عقائدية عصرية في المذهب الجعفري في ثلاثة مجلدات، ثم أعقب ذلك مراسلات بينه وبين الشيخ الخالصي، سعى بعدها الأستاذ قلمداران للقاء الشيخ الخالصي وحظي بذلك أكثر من مرة، ولكن المرحوم قلمداران قال لي، وهو يروي قصّة تعرفه على الشيخ الخالصي وأفكاره الإصلاحية، أنه وجد الشيخ الخالصي رغم وافر علمه وجرأته في الحق وإصلاحاته العظيمة قد توقف عند حدود الأصول المسلّمة المجمع عليها لمذهب الإمامية، أمّا هو فلم يجد داعياً - على حد قوله - لهذا التهيُّب، بل تجاوز شيخه ومقتداه الخالصي بخطوات للأمام وخرج عن إجماع الإماميّة في بعض المسائل كقوله بعدم وجوب أداء خمس المكاسب والأرباح في عهد الغيبة، وبأن الأئمة الاثني عشر ليس منصوصاً عليهم من قبل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل هم علماء ربانيون وفقهاء مجتهدون، وأفضل أهل عصرهم وأولاهم بالاتباع والتقليد بنص حديث الثقلين وبالنظر لكفاءاتهم الذاتية وعلو مقامهم وقربهم من جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً ونسباً، وكذلك قال بأنه لا ثبوت لإمامٍ غائبٍ مستترٍ إلى الآن ولا رجعة ولا عصمة مطلقة لأحد إلا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالات ربه، ورأى كذلك، من خلال دراسته لتاريخ زيارة القبور في الإسلام، عدم صحة نصب القباب وإقامة المساجد على أضرحة الصالحين سواء من أئمة آل البيت أو أولادهم وأحفادهم، وخطأ زخرفتها وجعلها معابد لها سدنة وحجاج وطائفين يطوفون بها داعين مستغيثين بأصحابها، وكان يرى ذلك مظهراً من مظاهر الإشراك في العبادة، وأذكر أنه قال لي عندما زرته قبل سبع وعشرين سنة، وهو يشير إلى الضريح الكبير للسيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم في قم (عليهم السلام)، والواقع أمام بيته، أن هذا المزار على الصورة التي آل إليها وما يفعله العوام عنده صار مثل "بتخانه" أي معبد صنم! وقد ألّف في هذا المضـمار كـتاب "راه نجات از شر غلاة " أي: طريق النجاة من شر الغلاة، المؤلَّف من خمسة أجزاء: هي "علم غيب إمام"، "بحث در ولايت وحقيقت آن" (ولم تتيسر طباعتهما)، "بحث در شفاعت" أي بحث حول الشفاعة، "بحث در غلوّ وغاليان" أي بحث حول الغلو والغلاة (و طُبِعا مع بعضهما بكتاب واحد)، و"بحث در حقيقت زيارت وتعمير مقابر" أي بحث حول حقيقة زيارة القبور وتشييد الأضرحة (ولم يطبع أيضاً).

هذا وعلاوة على الكتب التي أشرنا إليها، أفاد المؤلف مسلمي عصره، الذين كانوا يتطلعون للفكر الإسلامي العصريّ الناهض والمتنوِّر، كتباً قيمةً إسلاميةً وإصلاحيةً أخرى نشير هنا لأهم ما طبع منها:

    1.  "آيين دين يا احكام اسلام" وهو ترجمة للفارسية لكتاب "الإسلام سبيل السعادة والسلام" للعلامة الخالصي (رحمه الله) وهو رسالة فقهية عقائدية مختصرة.

    2.  "أرمغان آسمان" أي: هدية السماء، وهو مجموع مقالاته التي كانت تنتشر في جريدة "وظيفة " في طهران.

    3.  "أرمغان إلهي" أي: الهدية الإلهية، وهو ترجمة للفارسية لكتاب "الجمعة" للعلامة الخالصي (رحمه الله) الذي بين فيه الوجوب العيني لصلاة الجمعة في كل الأعصار خلافا لفتوى القائلين بوجوبها التخييري في عصر الغيبة.

            4.  "حج يا كنگره عظيم إسلام" أي: الحج أو مؤتمر الإسلام العظيم.

    5.  "حكومتِ اِسلامي" أي: الحكومة الإسلامية، في مجلدين، وهو من أهم كتب المؤلف، وكان سبَّاقًا لهذا الموضوع في عصره، وقد ذَكَرَ لي أن الشيخ الفقيه المجاهد حسين علي المنتظري كان يقوم بتدريس هذا الكتاب سرَّاً لتلامذته في نجف آباد، وقد أوقع الكتابُ المؤلفَ تحت ملاحقة مخابرات الشاه الإيراني المقبور.

    6.  "بحثي در باره مسائل واجب بعد از نماز" أي: بحث حول أهم واجب بعد الصلاة أي فريضة الزكاة، أثبت فيه وجوب الزكاة في كل أنواع الأموال والزروع والممتلكات وعدم انحصارها في الأجناس التسعة، خلافاً للمشهور من مذهب الإمامية.

    7.  "الخمس" وهو بحث روائي رجالي فقهي ضخم أثبت فيه عدم وجوب أداء خمس أرباح المكاسب في عهد الغيبة، خلافا لمذهب الإمامية الأصوليين.

وتوفي الأستاذ قلمداران عام 1989م. عن عمر ناهز السادسة والسبعين، أفاد فيه المسلمين بدراساته وتحقيقاته القيَّمة فرحمه الله وغفر له وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. هذا ما أردنا ذكره في هذه المقدمة والحمد لله أولاً وآخراً، ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾.

المترجم

5/ شعبان/1428 هـ. ق.


 

تقديم سماحة المرجع آية الله العلامة الفـقيه السيد
أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي
(رحمه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، وصلَّى الله على النبي المكرَّم وآله وأصحابه وأتباعه المؤمنين بكتابه المعظَّم، وبعد:

لا يخفى أن الشيعة الإمامية درجت على اعتبار الإمامة من أصول الدين، واعتقدت أن الأئمة الاثني عشر مفترضو الطاعة، منصوص عليهم ومنصوبون من قبل الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) للعالمين، واعتبرت أن من جحد ذلك عَمْداً وعِناداً، خرج عن حقيقة الإيمان وصار محروماً من السعادة الأبدية، ولو كان مؤمناً ببقية العقائد الإسلامية كإيمانه بالله تعالى ورسوله، وقائماً بسائر الفرائض الدينية، وذلك لكونه ينكر أصلاً من أصول الدين ألا وهو أصل الإمامة، بعد أن قامت عليه الحجة فيه.

و مستند الشيعة الإمامية في عقيدتهم هذه، ليس إلا الأحاديث والأخبار التي جاءت في كتبهم وقالوا بتواتر مضمونها تواتراً معنوياً. وإلا فليس في كتاب الله تعالى ذكرٌ صريحٌ ولا خبرٌ عن إمامة الأئمة الاثني عشر، اللهم إلا بالتأويل والتقدير بالقوّة لبعض الآيات، لحملها على مفاد الأخبار الواردة، لكن مثل هذا التأويل، وطبقاً لصريح آيات القرآن، لا يجوز أبداً، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل القرآن كتاباً بيِّناً مفصلاً ونوراً مُبِيْنَاً وهدىً للناس، ويسَّره للذكر واعتبره قابلاً للفهم والتدبر، وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل، ومعنى ذلك كله أن القرآن الكريم كتابٌ واضحٌ بيِّنٌ على المسلمين أن يرجعوا إلى بيانه ويتدبّروا معانيه الظاهرة ويفهموه لكي يميزوا به بين الحق والباطل، فما وافقه من حديثٍ أو خبرٍ قبلوه، وما خالفه تركوه، فيجب فهم معاني الأخبار على ضوء ما يقوله القرآن الكريم، لا أن تُحْمَل آيات القرآن ويلوى عنقها لتنطبق على مفاد الأخبار!

ولذلك، فيجب القيام بدراسة وتمحيص كاملين للأحاديث والأخبار المتعلقة بالإمامة والنصّ على الأئمة، إذ كيف يسوغ لأحد أن يقلّد في أمر هو من أصول الدين وعليه (كما يُقال) مدار السعادة أو الشقاء الأبديين؟ ولكننا نتساءل ابتداءً: إذا كان القرآن الكريم، رغم كونه تبياناً لكل شيء ورغم ذكره لعديد من فروع المسائل العقائدية والفقهية، ليس فيه أيّ ذكر للأئمة ولنصبهم من قبل الله عز وجل حكَّاماً على العالمين، فكيف يمكن أن يعذب سبحانه أو يثيب على شيء لم يُبَيِّنْه؟ وهو القائل جل جلاله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء:15]، والقائل أيضاً: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ [التوبة:115]؟!

ولذلك منذ مدة مديدة وأنا أفكر بالقيام بدراسة وبحث شامل حول الأحاديث والأخبار المتعلقة بموضوع الإمامة والنص على الأئمة، لأقدم نتيجة بحثي للأخوة والأصدقاء من أهل التحقيق، الطالبين للحق والباحثين عن الحقيقة، إلا أن صعوبة مثل هذا البحث من جهة، والمشاغل الكثيرة من جهة أخرى، والتعصبات التي ليست في محلها، علاوة على الخوف من هجمات المقلدين، كل ذلك حال بيني وبين ذلك العمل، إلى أن قيض الله تعالى لهذا الأمر الأستاذ الفاضل والمحقق المتتبع حيدر علي قلمداران دامت بركاته، الذي يتمتع حقّاً بهمة عالية، رغم كونه مجهولاً بين كثير من معاصريه، فتجشّم عناء هذا البحث، واستطاع، بحمد الله، أن يوفيه حقه، ووضع أمام أنظار القراء، في هذا الكتاب، النتائج القيمة لبحثه وتحقيقه.

ونحن نهيب بكل من يطالع هذا الكتاب أن يتذكر دائما الهدف العظيم لمؤلفه، ألا وهو إزالة سبب أساسي من أسباب الاختلاف والشقاق بين المسلمين وإيجاد الوحدة والتفاهم بينهم، لذا سمى كتابه "طريق الاتحاد".

وندعو القارئ لهذا الكتاب أن يطالعه بروحٍ مشبعة بالتجرد والإنصاف والإخلاص في طلب الحقيقة، بعيداً عن التأثُّر بأفكارٍ أو أحكامٍ مسبقة، وعن التعصّب والعناد، لأن التعصّب والعناد يغشيان على البصيرة ويَحُولان دون رؤية الحقائق، وأحياناً يجرّ التعصبُ الإنسانَ إلى مواقف تخالف مبادئه دون أن يشعر، كما هو حاصل لكثير من عوام الشيعة الإمامية الذين جرّهم تعصّبهم لمخالفة حتى أئمتهم من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عديد من أعمالهم وعقائدهم! ومن جملة ذلك تفرقهم وابتعادهم عن سائر فرق المسلمين وإساءة القول في حقهم، وهو أمر مخالف لسلوك وكلام أمير المؤمنين علي عليه السلام (الذي ورد في الخطبة 127 من نهج البلاغة) حيث قال: [...والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة! فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب. ألا ومن دعا إلى هذا الشعار (أي شعار الخروج والتحزب والتفرقة في الدين) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه (أي ولو كنت أنا)].

ولقد كان عليه السلام في حياته تجسيداً حيّاً لهذا المبدأ، فلقد حافظ على علاقة طيبة مع الخلفاء الذين سبقوه وشارك في صلاة جمعتهم وجماعاتهم وقدم لهم معونته الفكرية في حلّ ما طرأ من المستجدات والحوادث، وتعامل معهم التعامل الإسلامي الأخوي الذي تقتضيه الأخوَّة في الإيمان، وليس هذا فحسب، بل سمَّى ثلاثةً من أولاده بأسمائهم، فأحد أولاده سماه عمر بن علي والآخر عثمان بن علي وثالث أبا بكر بن علي، كما هو مسطور في كتبنا ككتاب الإرشاد للشيخ المفيد (رحمه الله) وسائر كتب الحديث والتاريخ، وكذلك زوَّجَ ابنته أم كلثوم من الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه(3)، وكذلك أثناء محاصرة الثوار لعثمان، كان يحمل له الماء بيده وجعل ابنيه الحسن والحسين يلزمان حراسته، كما أنه كان يذكر الخلفاء بكلماته بالخير ولم يكن أبدا فحّاشاً ولا سبّاباً، لا يمنع ذلك أنه كان يرى نفسه أولى وأعلم وأحق وأليق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، إلا أنه مع ذلك لم يعتبر خلافتهم غصباً أو كفراً أو باطلاً!.

ونذكر هنا بعض ما جاء في كتبنا من كلماته عليه السلام عن الشيخين (رضي الله عنهما)، ففي رسالته التي بعث بها إلى أهالي مصر مع قيس بن سعد بن عبادة واليه على مصر، كما أوردها إبـراهيم بن هلال الثقفي فـي كتـابـه: "الغارات" (ج1/ص210) والسيد علي خان الشوشتري في كتابه " الدرجات الرفيعة " (ص 336) والطبري في تاريخ الأمم والملوك (ج3/ص550) قال: [.. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عز وجل صلى الله عليه ورحمته وبركاته ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة وأحسنا السيرة ولم يعدُوَا لِسُنـَّتِهِ ثم توفّاهما الله عز وجل رضي الله عنهما].

وفي الخطبة 228 من نهج البلاغة قال عليه السلام عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: [..فلقد قوَّم الأود وداوى العمد وأقام السنة وخلَّف الفتنة، ذهب نقيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرَّها، أدَّى إلى الله طاعته واتَّقاه بحقِّه.]. وجاء كذلك في الخطبة 164 من نهج البلاغة، أنه لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته لهم واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال: [إن الناس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وقد رأيتَ كما رأينا، وسمعتَ كما سمعنا، وصحبتَ رسول الله - صلى الله عليه وآله - كما صحبنا. وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك...] فشهد لهما بأنهما عملا بالحق.

بل أكثر من ذلك، فقد جاء في نهج البلاغة أيضاً (الخطبة 206) أنه لما سمع قوماً له يسبّون أهل الشام (من أتباع معاوية) أيام حربهم في صفين، نهاهم عن ذلك وقال: [إني أكره لكم أن تكونوا سـبَّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصـوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سـبّكم إيّاهم: اللّهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به].

فما أبعد بعض العوام الجهلة من مدّعي التشيع لآل البيت، الذين لا يتحرّجون في مجالسهم ومنابرهم عن الطعن وإساءة القول بحق الخلفاء وأئمة سائر فرق المسلمين، وتكرار ما وضعته أيدي الغلاة المفرقين المثيرين للفتنة بين المسلمين من أحاديث وأخبار، عن سيرة وتعاليم الأئمة الهداة عليهم السلام!.

ومن جملة ما يخالف به فريقٌ من المنتسبين للتشيع لأئمة آلِ بيتِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيرةَ الأئمة عليهم السلام، نسبة عديد من الأحكام الفقهية المخالفة لسائر المسلمين إلى الأئمة عليهم السلام ورفض ما نُقِل عنهم في ذلك مما وافق سائر مذاهب المسلمين بحجة أنهم إنما أفتوا به من باب التقية، فحيثما وجدوا نقلين عن أئمة الآل أحدهما يوافق مذاهب السنة وآخر يخالفها أخذوا بالثاني عملا برواية لا تصح وقاعدة خاطئة تقول "خذ ما خالف العامة!"، هذا مع أنهم هم أنفسهم يقررون بأنـه: «... إنما شرعت التقية لحفظ الدين والمذهب، حتى أن الإمام في حالة هتك الدين ونشر البدعة، يقوم بمحاربة ذلك مقدِّماً روحه في هذا الطريق.. لأن الإمام إنما وجد أصلاً لحفظ الدين، فأهمية بقاء الدين أهم من بقائه. فإذا جاز لعوام الناس ارتكاب بعض المعاصي أو ترك بعض الواجبات اضطراراً من باب التقية (أي تفادياً لأذى الأعداء الذي لا يحتمل)، لم يجز ذلك أبداً لمن هو في مقام الإفتاء والإرشاد والمرجعية الدينية للناس لأن تقيته ستؤدي لضلال الناس وفساد عقيدتهم... وقد جاءت روايات كثيرة في كتبنا تبين: أن على العلماء وأئمة الدين أن يحاربوا البدع إذا ظهرت ويظهروا علمهم وإلا فعليهم لعنة الله...»(4)، لكنهم عند الإفتاء ينسون هذه القاعدة الذهبية ويحملون كثيراً من أقوال أئمة الآل عليهم السلام التي لا تعجبهم على أنها إنما كانت منهم من باب التقية! فلا يأخذون بها، ولا يفكرون بأن كل عاقل - فضلاً عن أئمة آل البيت العظام - إنما يكفيه، في موضع الخطر والخوف، السكوت، ولا أحد يضطره للإفتاء بعشرات الفتاوى المخالفة لحكم الله تعالى ورسوله وإيقاع أتباعه في الحيرة والضلال!

ومن جملة ما خالف به كثير من عوامّ المتبعين للأئمةِ من آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أئمتَهم عليهم السلام أيضاً، ابتداع شعائر وأعمال لا أصل لها في تعاليم الشرع بحجة تعظيم أئمة أهل البيت، واعتبارهم معرفة الأئمة ومحبتهم والاعتقاد بهم كافية للنجاة، في حين أن الأئمة من آل البيت عليهم السلام لم تكن دعوتهم لأنفسهم ولا لتمجيد أشخاصهم، بل كانت دعوتهم، إحياءً لدعوة نبي الإسلام عليه وآله الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله تعالى وتعريف الناس بعقائد الإيمان وتشريعات الدين، وأن طريق النجاة منحصر بالإيمان والتقوى والعمل الصالح لا غير.

وحاصل الكلام أننا نأمل أن يقوم طالبوا الهداية والحق، بمطالعة هذا الكتاب القيِّم ليستيقظوا من غفلتهم، ولا ينخدعوا بتهويلات بعض المغالين، أو بعض المتاجرين بالدين، الذين يسارعون إلى تكذيب وتكفير كل من يجتهد ويبدي رأياً جديداً خلاف المشهور أو يكتب أو يقول كلمة حق، ونهيب بكل من يملك القدرة، أن يساعد على طبع هذا الكتاب ونشره، لينصر بذلك دين الله، ويساهم في إصلاح ذات بين المسلمين، وإزالة أهم سبب من أسباب سوء الظن والعداوة والبغضاء فيما بينهم، تلك العداوة التي لا يعلم إلا الله كم جرت من الويلات على المسلمين وكم أشعلت بينهم من حروب وكم شغلتهم في صراعات وكتابات وعصبيَّات لا طائل تحتها عبر تاريخهم الطويل.

و في الختام نقول، بكلام موجز، إن كتاب الله المنزَّل المبارك، إنما نزل ليبين للإنسان طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وهو إن اكتفى في بعض فروع الدين بالإشارة، موكلاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم العملية تفصيل ما أوجزه وبيانه، فإنه - ولا بد - بيَّن وكرَّر بكل وضوح: أصول الدين وأركان الإيمان التي هي مناط الكفر أو الإيمان وعليها مدار النجاة أو الهلاك، فقال عزّ من قائل: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..  ﴾ [البقرة:285]، وقال أيضاً: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..  ﴾ [البقرة:177]، وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ..  ﴾ [الحديد:19] وقال جلّ شأنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء:136]. فهذه هي أركان الإيمان التي أمرنا الله عز وجل بالإيمان بها وجعل منكر أحدها كافراً من الضالين وهي أن نؤمن بالله تعالى الواحد الأحد وباليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله.

ولم يأت الله عز وجل، في كتابه، الذي وصفه بأنه تبيانٌ لكل شيء، على الإمامة ولا على الإيمان بأئمَّةٍ معينين مخصوصين بأي ذكرٍ، فلا يحقّ لأي أحدٍ بعد ذلك أن يأتي ويزيد هذه الأمور على ما ذكره الله من أصول الدين وأركان اليقين، إذ من البديهي أن لو كان الإيمان بخلفاء أو أئمة معينين (سواء كانوا منصوصاً عليهم ومنصوبين من قبل الله أم غير منصوص عليهم) أمراً أساسيّاً من أمور الدين ومعرفتُهُم شرطاً لازماً للإسلام والإيمان، لَذَكَرَ اللهُ سبحانه وتعالى ذلك بكل صـراحة ووضـوح في كتابه الحكيم، فلما لم يفعل عـُلِمَ أن مـعـرفةَ ذلـك والإيمانَ به ليس من أصول الدين اللازمة. والسلام على من اتبع الهدى.

 

خادم الشريعة
أبو الفضل بن الرضا البرقعي

+                 +                 +


 

تمهيـد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وأتباعه، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

عقل وتفكير جميع بني الإنسان وتجربة وخبرة البشر وليس هذا فحسب بل كذلك وحي خالق العالم وتعاليم الأنبياء والمختارين تدل جميعها بأوضح بيان وأصرح لسان على وجوب الاتحاد ووحدة الكلمة واتفاق الأمة والجماعة واتفاق كل شعب ومجتمع يعيش أفراده بجوار بعضهم البعض، إذ أن بركات الاتحاد ومحاسن الاتفاق أوضح من أن تحتاج لذكر أو بيان، فأدنى ذي شعور يحكم بعظيم فائدتها وحسن عاقبتها. وقد دعا خالق العالم، في آيات متعددة من كتابه المحكم، المسلمين، للوحدة والاتحاد والاجتماع والاتفاق، فقال سبحانه في سورة الأنبياء/92: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ وفي سورة المؤمنون/52: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ فذكّرهم بكلمة التوحيد لتتوحد كلمتهم وتتحد جماعتهم قائلا: بما أنني أنا وحدي ربكم جميعا فكونوا أنتم أيضاً أمة واحدة واعبدوني وحدي جميعا ولا تخافوا إلا إيّاي.

وبرغم أن هيئة ونظام الخليقة بحد ذاته دليل واضح على أن خالقها واحد، وهذه حقيقة واضحة وبرهان متقن، لكن إذا لم تكن ثمرة هذه الحقيقة ونتيجتها توحيد الكلمة والاتفاق، فإن ذلك يعتبر فقداناً كبيراً وخسارةً عظيمةً، تماثل أن نكون عمياناً ونحن بجوار بحر النور، أو عطاشى ونحن بجوار شريعة الكوثر الزلال. لقد حذرنا الحق تعالى من الاختلاف والتشتت ودعا الناس للاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن المجيد ودين الإسلام المبين فقال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران:103]، وقال كذلك: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران:105]، وقال أيضاً: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام:153]. وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام:159]، وقال كذلك: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13)وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..  ﴾ [الشورى:13-14]. وعلينا أن ننتبه أنه لما أخبرنا الله تعالى عن الكفار أنهم: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ سورة الحشر/14، فمعناه أن المؤمنين عليهم أن يعتبروا من ذلك ويكونوا على خلاف تلك الحال بأن يكونوا متَّحدي القلوب في وحدة حقيقية صادقة، عاملين بحكم قرآن رب العالمين الذي نهاهم عن التفرق وأمرهم بالاجتماع ووحدة الكلمة، لا أن يتحدوا مجرد اتحاد صوري فاقد للحقيقة والأصالة، بل أن تكون وحدتهم متجذّرةً في قلوبهم.

إن التفرقة في الدين مذمومةٌ إلى درجة أن قوم موسى لما عبدوا العجل بتضليل السامري، ورجع سيدنا موسى عليه السلام غاضباً وأخذ بلحية أخيه ورأسه، كان مما قاله سيدنا هارون عليه السلام معتذراً عن عدم تركهم: ﴿ .. إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلي ﴾ [طه:94]. وأخيراً فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه أن التفرق والتنازع والاختلاف في الآراء يؤدّي إلى ضعف شوكة المسلمين وذهاب عزتهم وقوتهم فقال: ﴿ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:46].

ويوجد في السنة النبوية ما لا يكاد يحصى من الأحاديث الصحيحة في وجوب الالتزام بالجماعة، من جملة ذلك الحديث المشهور الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فارقَ الجَمَاعَةَ قيْدَ شِبْرٍ فقد خلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِن عُنُقِهِ إلاَ أن يَرْجِعَ..»(5) والحديث الآخر الذي قال فيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية»(6). ومثل هذا ما جاء في الخطبة رقم 127 من نهـج البلاغة عن سيدنا مولى الموحدين وأمير المؤمنين حيث قال: «والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار (أي شعار التفرقة والانشقاق) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه» أي أنني أنا نفسي أمير المؤمنين لو دعوتكم للفرقة والتحزُّب فاقتلوني! والحقيقة أن السيرة الشريفة لذلك الإمام، نفسها، أوضح دليل على وجوب ملازمة الجماعة واجتناب الفرقة، إذْ إنه عليه السلام رغم كل الحوادث المؤلمة والآلام التي تحملها، بقي دائماً ملازماً لجماعة المسلمين.

 

+                 +                 +


 

أسباب وبواعث اختلاف وتفرّق الأمّة الإسلاميّة

أهم وأعظم علة لتفرّق المسلمين وانشقاقهم، وسبب وقوع الاختلاف والخصومة فيما بينهم، مسألة خلافة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). لقد نشأت بذور هذا الاختلاف في صدر الإسلام في الأيام الأولى التي تلت رحلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونمى وقوي فيما بعد بواسطة جهل المسلمين وتعصبهم وتحريك أعداء الإسلام، إلى أن اشتدَّ في القرون التالية قرناً بعد قرن حتى جعل المسلمين أعداء ألدّاء في مواجهة بعضهم البعض وأدى إلى مشاهد مشينة من الحرب والجدال والخصام والاقتتال سوَّدت صحائف التاريخ بالعار إلى الحد الذي أصبحت فيه فرق المسلمين أقدر على الاختلاط والعشرة مع اليهود والنصارى منها على التعايش مع بعضها البعض مع أنهم بنص كتابهم السماوي أخوة متساوون.

ورغم أن غباراً غليظاً مغطياً للحقيقة أوجدته قرون من الجدال والاقتتال، أصبح مانعاً كبيراً وصعباً يحول دون إظهار وجه الحقيقة كما ينبغي وتعرُّف كل فرقة على الأخرى وإعادة المياه إلى مجاريها فيما بينهم، لكننا بعون الله سنقوم بمحاولتنا وسعينا في هذا الطريق مستخدمين كل ما أتيح لنا من طاقة مادية ومعنوية، عسى أن ننير بفضل الله سراجاً نيِّراً في هذا الطريق المظلم الضيق، ونطلع إخواننا المؤمنين، الذين يطلبون الحق ويبحثون عن الحقيقة إلى ما هدانا الله إليه بفضله ورحمته، عسى أن يعودوا لأنفسهم بعد هذا الزمن الطويل وبعد اطلاعهم على حيل وسياسة الأعداء وتذوقهم لمرارة كل تلك البلايا والمصائب التي حلت بهم نتيجة تلك الاختلافات، فيسيروا إلى الأمام نحو العزة والسعادة والشوكة والسيادة ويستعيدوا وحدتهم فيكونوا مصداقاً للآية الكريمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ ﴾. أما لو لم تؤثر فيهم - لا سمح الله - صخب السيول الجرّارة لكل حوادث التاريخ هذه ولا الأمواج المهلكة لكل أعاصير القرون والعصور هذه، وما تحويه من صفير الإنذار والتحذيرات الصريحة، بل استمرت العصبيَّات الجاهلية والتفرقة القومية والعنصرية التي تغذيها الأهواء ووساوس الشيطان ودسائس الأعداء الماكرين تعمل عملها في إضلالهم، فإننا سنكون معذورين لدى ربنا سبحانه وتعالى بكتابة هذا الكتاب ومأجورين إن شاء الله على سعينا لهذا الهدف وما سنلقاه من آلام نتيجة الاتهامات والسب والبهتان والافتراء بحقِّنا: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف:164].

 

+                 +                 +


 

علة الاختلاف الأصلية

المادّة الأصلية والأساسية لاختلاف الأمة الإسلامية هو - كما قلنا - مسألة الخلافة والإمامة، ومن هذه المسألة تشعَّبت سائر الاختلافات الأخرى، وقد أخذت مسألة الإمامة، بمعنى الحكومة وزمام الأمور، والتي محركها الأصلي لدى أغلب الأفراد ليس إلا حب المقام وحب الرئاسة، في هذه الأمة، شكلاً وصورةً قلّما يوجد لها نظير في الشعوب والأمم السابقة!

كمقدّمة ينبغي القول بأن حبّ العلو والرئاسة أمر فطريّ في كلّ نفس، وكل إنسان يطلب بغريزته التفوق على أقرانه، وإذا تمت هداية هذه الغريزة بشكل صحيح، أمكن أن نستخرج منها أفضل النتائج، وذلك أنه من لوازم وجود وحياة المجتمع البشـري أنه لا يمكن لأي شعب أو أمة أن تستمر في حياتها المدنية دون امتلاك حكومة ونظام اجتماعي، وليس هذا لدى الإنسان فقط، بل إن كثيراً من الحيوانات شعرت بهذا الأمر وأوجدت في حياتها نظاماً وتشكيلات اجتماعية، كما نجد ذلك واضحاً في عالم النمل والنحل والحشرات الآكلة للخشب (النمل الأبيض) وعديد من الطيور والحيوانات الأخرى. ولا شك أن دين الإسلام الذي يحتوي على أفضل القوانين الاجتماعية التي تضمن السعادة الدينية والدنيوية لأتباعه، لم يبق هذه المسألة مسكوتاً عنها ولا مجهولة، بل بيَّن الوظائف والأحكام والأوامر والقواعد في هذا الشأن بشكل إجمالي. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا " الحكومة في الإسلام" الذي طبع في مجلدين فيمكن للراغبين الرجوع إليه لمعرفة هذه الحقيقة.

أما الذي يمكن قوله هنا فهو أنه من المحتَّم واليقيني أن سيدنا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أتى في شريعته الإسلامية المتقنة بمقررات وأحكام وإرشادات تتعلق بمسألة الحكومة وزمام الأمور، ذلك أن دين الإسلام الذي زيَّنَهُ الله سبحانه بوسام ووشاح قوله المقدس: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ لا يمكن أن يكون خالياً من مسائل وأحكام تتعلق بالحكومة والقيادة التي هي من ألزم لوازم الحياة البشرية، بل إن هذا الأمر، كما سيأتي بيانه في محله، هو من أهم أهداف وأقدس أحكام الإسلام.

أما الزوائد والحواشي الناشئة، بلا شك، من أغراض وأمراض عدة من الأعداء المغرضين أو الأصدقاء الجاهلين فلا سبيل لها على الأحكام السماوية والقوانين الإلـهية الواضحة البينة. وسنبين، بمشيئة الله تعالى، كيف أن هذه الزوائد والأهواء المبتدعة قد بدَّلت الصورة الناصعة للأحكام الإلـهية المتعلقة بالحكم والحكومة وحوَّلتها لصورة بشعة مكروهة ينفر منها العقلاء وينزجر منها الأحباء.

إن الذي يعيننا على معرفة وإدراك حقيقة تعاليم الإسلام السامية حول هذه القضية هو دراسة قضية سقيفة بني ساعدة التي وقعت بعد ساعات من انتقال روح رسول الله المقدسة صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى، فإذا تتبعنا ودرسنا ملابسات هذه الواقعة، بدقة مشبعة بطلب الوصول للحقيقة، سندرك، لا محالة، كثيرا من القضايا المهمة، وستظهر الحقيقة لطالبها المخلص رغم كل ما أحاط بها من أغشية.

ولهذا فسننقل للقارئ الكريم في رسالتنا المختصرة هذه، باختصار، قصة سقيفة بني ساعدة التي حضرها وشارك فيها كبار صحابة الرسول المختار (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تتضح حقيقة الأمر لطلاب الحق، إن شاء الله.

 

+                 +                 +


 

بحث عميق في قضية سقيفة بني ساعدة

كانت سقيفة بني ساعدة مكانا يجتمع فيه أهل المدينة ليتخذوا قراراتهم في شؤونهم المهمة من خلال الشورى بين رؤسائهم. وبعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة اجتمع أهل المدينة، الذين كانوا قد أسلموا دون إكراه ولا إجبار ودعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل هجـرته أن يأتي إليهم وكثيرون منهم أعانوه ونصروه وعرفوا بالأنصار، في هذه السـقيفة، ورشَّحوا "سـعد بن عبادة"(7) زعيم قبيلة الخزرج (إحدى أهم قبيلتين في المدينة)، والذي كان مريضاً، لمنصب الإمامة والخلافة، ولفوه في حصير أو بساط وأتوا به إلى السقيفة كي يأخذوا له البيعة من المسلمين. وسننقل هنا باختصار أحداث هذا الاجتماع من كتب التاريخ الموثقة دون أن نحذف باختصارنا النقاط التاريخية لهذه القصة. ونلفت أنظار القرَّاء في البداية، إلى أن الكتب التاريخية التي ذكرت هذه القصة هي مؤلفات خلَّفها علماء المسلمين الكبار للأمة الإسلامية. وقد دُوِّنت هذه المؤلفات بشكل عام بعد القرن الثاني الهجـري وغالباً في القرن الثالث وما بعده، ونذكِّر أيضاً أنه في ذلك الزمن لم تكن مسألة السنة والشيعة قد تطوَّرت إلى الصورة التي هي عليها اليوم، بمعنى أنه لم يكن التمايز بين الفريقين في الفكر والتراث والتأليفات قد أخذ شكله المتمايز الفاصل الذي صار إليه فيما بعد، ولا كان المؤلفون في مسألة الإمامة قد انقسموا فريقين متخاصمين بعد. والسبب في ذلك أن فرقة الشيعة، التي أصبحت اليوم تختص لنفسها - ولله الحمد - أعداداً كبيرة من المسلمين وأصبح لها دولة ونظام ومؤلفات وتصانيف خاصة بها، إنما كانت في ذلك العهد لا تزال جماعة قليلة العدد ومضطرة - في أغلب أحوالها - للعيش في حالة من التكتُّم والسرِّيَّة، كونها كانت تمثل حزباً معارضاً لحكومة الوقت الأموية، فلم يكن للشيعة من الكثرة والقوة ما يدفع مخالفيهم من علماء ذلك الزمن لتأليف كتب ومصنفات ضدها من باب العناد والخصومة وكتمان الحقيقة، ليختلقوا مثل هذه القصة التي لم يوافَقُ فيها على حق لهم! وأيا كان الأمر فليس بين أيدينا اليوم لفهم الحقائق إلا الكتب والمؤلفات التي بقيت لنا منذ ذلك العهد، ولا يوجد لدينا أي شيء يجعلنا نتشكك أو نرتاب في صحة هذه الكتب والتواريخ، اللهم إلا الاكتفاء بالحدس والظن والتخمين. هذا بالإضافة إلى أننا سنرجع إلى المؤلفات والآثار التي وثَّقها وصوَّبها علماء الشيعة الكبار، لننقل منها أحداث تلك الواقعة بأمانة تامة، ونضعها أمام طالبي الحقيقة.

وأقْدَمُ الكتب في هذا الباب [سـيرة ابن هشـام] المعتمدة من قبل عامة المسلمين والتي ليس لقضية الشيعة والسنة فيها دخل، ومؤلفها "عبد الملك بن هشام المعافري"، وقد استخرج سيرته ورواها عن "محمد ابن اسـحق المطلبي" وهو من مؤرخي القرن الهجـري الأول والثاني، إذْ كانت وفاته في أوائل القرن الهجـري الثاني، وابن هشام نفسه كانت وفاته سنة 213هـ، ورجعنا بعد ذلك لكتاب [تاريخ الإمامة والسياسة] لابن قـُتَيْبة وهو "عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري" المتوفى سنة 270 هـ.، ثم [تاريخ اليعقوبي] ومؤلفه "أحمد ابن يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب"، مؤرخ شيعي المذهب توفي سنة 292 هـ.، ثم [مروج الذهب ومعادن الجـوهر] و[التنبيه والإشراف] وهما "لعلي بن الحسين المسعودي"، المعروف بالتشيُّع والمتوفى سنة 345هـ. وليس لأي ممن ذكر مصلحة خاصة في روايته لحديث سقيفة بني ساعدة. ولن نتجاوز في عرضنا لهذه القصة، إن شاء الله، ما اتفقت عليه تلك الكتب الخمسة المذكورة، والتي عرفنا أن ثلاثة منها هي من تأليف مؤلِّـفَيْن شيعيين.

 

+                 +                 +


 

قصـة سـقيفة بـني سـاعـدة

جاء في سيرة ابن هشام: [قال ابن اسحق: قال الزهري: وحدثني "عبد الله بن كعب بن مالك" عن "عبد الله بن عباس" قال: خرج يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا علي، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنتُ أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا، أمرناه فأوصى بنا الناس. قال: فقال له علي: إني والله لا أفعل، والله لئن مُنِعْناه، لا يؤتيناه أحدٌ بعده](8) هذه الرواية ذكرتها أيضاً عدة مصادر تاريخية أخرى(9).

ما اتفق عليه جميع المؤرخين وكتَّاب السيرة هو أنه لما ارتحل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، شُغِل أهل بيته بأمر تجهيزه وتكفينه وكان في مقدمتهم حضرة علي بن أبي طالب والعباس عم الرسول صلى الله عليه وآله وأولاد العباس، كما كان حاضراً معهم في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وقد أغلق باب البيت أمام الآخرين. أما بقية المهاجرين وبعض الأنصار مثل أُسَيْد بن حُضَيْر فقد اجتمعوا حول أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ جاءهم رجل، على غير انتظار، يخبرهم أن طائفةً من الأنصار على رأسهم "سعد بن عبادة" قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وأنهم في صدد تعيين خليفة لإمامة وحكومة المسلمين فإن كان لكم بأمر الناس (أي بأمر الرئاسة والحكم) حاجة فأدرِكوا الناس قبل أن يتفاقم أمر الأنصار(10)، عند ذاك ترك عمر وأبو بكر (رضي الله عنهما) حضور مراسم الدفن وأوكلوه لمن له الكفاية لذلك من أهل بيته صلى الله عليه وآله - إذ لم يكن بعد قد فُرِغَ من تجهيزه ودفنه (صلى الله عليه وآله) وكان أهل بيته قد أغلقوا باب بيته (صلى الله عليه وآله) دون الناس - وهرعا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة إثر وقوفهما على خبر اجتماع جماعة الأنصار فيها، وسرعان ما وصلا إلى السقيفة ليجدوا الأنصار قد عصَّبوا "سعد بن عبادة " رضي الله عنه بعصابة وأجلسوه في وسط السقيفة، وكان يخطب فيهم، إلا أن صوته كان ضعيفا لشدة مرضه، فكان ابنه قيس بن سعد، ينقل كلامه جملة جملة بصوت مرتفع للمجتمعين(11).

لما سمع عمر رضي الله عنه قول الناس بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم صعق ولم يستطع تصديق الخبر وامتشق سيفه وصاح: بل إن رسول الله لم يمت وكل من زعم ذلك أدبته بسيفي هذا بل قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وليرجعن ثانية ليكمل دينه!، أما أبو بكر رضي الله عنه فلما رأى جسد النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد من وفاته، بكى وقبله وقال له بنفسي أنت وأبي وأمي طبت حياً وميتاً، ثم صاح رضي الله عنه في المسلمين المجتمعين في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمصعوقين بهذا الخبر الفاجع، قائلا: [أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت] ثم لما علم بأن الأنصار مجتمعون في السقيفة سارع في الخروج برفقة عمر رضي الله عنهما متجهين من مسجد رسول الله إلى السقيفة.

والآن نعود إلى السقيفة لننقل نص خطبة سعد بن عبادة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه "الإمامة والسياسة"، قال: «فكان مما قاله رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا(12) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرام، وخصَّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ النّاس على من تخلّف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة(13) صاغراً داحراً، حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفَّاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاكم به. قال: فأجابوه جميعا: أن قد وُفِّقْتَ في الرأي، وأصبت في القول، ولـن نعدو، ما رأيت، توليَتَكَ هذا الأمر، فأنت مَـقْـنَع ولِصَالِح المؤمنين رضا»(14).

و بعد أن أكمل سعد كلمته وسكت، أراد عمر رضي الله عنه أن يتكلم، كما يروى ذلك عنه ابن هشام في سيرته، فقال عمر رضي الله عنه: «...فلما سكت (أي سعد) أردتُ أن أتكلم وقد زَوَّرْتُ في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه وكنت أداري منه بعض الحد(15)، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّمَ، وكان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكتَ. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هو أوسط العرب نسباً(16) وداراً(17) قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة الجراح، قال (عمر): وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئاً مما قاله (أي أبو بكر) غيرها، كان والله أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عنقي، لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر»(18).

و قد أورد اليعقوبي في تاريخه نص ما قاله أبو بكر في ثنائه وتزكيته لعمر ولأبي عبيدة رضي الله عنهم فقال: [... وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمين هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم. فأبيا (أي عمر وأبو عبيدة) عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، وثنَّى عمر، ثم بايع من كان معهم من قريش](19).

أما ابن قتيبة فقد أورد - في "الإمامة والسياسة" - خطبة أبي بكر رضي الله عنه بشكل أكثر تفصيلا على النحو التالي [... فتشهد أبو بكر رضي الله عنه وانتصب له الناس، فقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً والناس لنا فيه تبع. ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضاً والله، الذين آوَوْا ونصروا. وأنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم أيضاً إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سرّاء وضرّاء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرِّضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، وهم أحق الناس فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم وأبعد ألا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل. فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر رضي الله عنه، أنت صاحب الغار وثاني اثنين وأمَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر](20).

و الآن لنر ماذا كان موقف الأنصار تجاه أبي بكر رضي الله عنه؟ ذكرت جميع كتب التواريخ والسير أن جواب الأنصار كان - كما يروي ابن قتيبة ـ: [فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه إليكم وإنا لكَمَا وصفتَ يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد من خلق الله تعالى أحبَّ إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمــة، كان ذلك أجدر أن يُعْدَل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. عندئذ قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى خلقه وشهيداً على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها شافعة لهم وعليهم بالغة نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخُشُبَاً منجورة، فاقرؤوا إن شئتم ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله ﴾ وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه، والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس مخالف عليهم، زارٍٍ(21) عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيها إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصاراً لِدِينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات(22) دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور.

فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وتقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء والنصرة وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم، واللهِ ما عبدوا الله علانيةً إلا في بلادكم ولا جُمِعَت الصلاة إلا في مساجدكم ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر، وإن أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير.

فقام عمر رضي الله عنه فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي لها أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.

فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجْلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم دان لهذا الأمر من لم يكن يدين له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جزعة(23)، والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطَّمتُ أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوءه أبداً. ثم قام أبوعبيدة (الجراح) فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من يبدل ويغير. قال (أي الراوي الذي يروي عنه ابن قتيبة هذا الحديث): وإن بشيرا (و هو بشير بن سعد من أقرباء سعد بن عبادة) لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام حسدا لسعد، وكان بشير من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الأنصار أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا، فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.

قال (الراوي): ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام على الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة ونهاهم عن الفرقة وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عُبيدة الجرَّاح وعُمر فبايعوا من شئتم منهما. فقال عُمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك ويتولى هذا الأمر عليك؟ أبسط يدك أبايعك، فلما ذهبا (أي عُمر وأبو عُبيدة) يبايعانه، سبقهما إليه بشير بن سعد الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عقُّك عِقاقٌ(24) ما اضطرك إلى ما صنعت؟ حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال: لا والله، لكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم، فما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وهو من سادات الخزرج، وما دعوا إليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، فقاموا إليه فبايعوه! فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء، قال أبو بكر: أمِنَّا تخاف يا حباب؟ قال: ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم. فقال (عندئذ) سعد بن عبادة: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطؤون سعدا. فقال سعد (بن عبادة) قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه داره وتُرِكَ أياما، ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب(25) منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما مَلَكَتْهُ يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابـي، فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولجَّ وليس يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَل الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه(26) لما بدا لهم منه، فكان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجماعتهم(27) ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى تُوُفِّيَ أبو بكر رحمه الله ووَلِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخرج (أي سعد) إلى الشام فمات بها ولم يبايع لأحد رحمه الله](28).

 

+                 +                 +


 

موقف بقية أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

من المسلَّم به أن أمير المؤمنين علي عليه السلام كان في ذلك الحين مشغولاً بتجهيز جثمان رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أغلق أهل بيته باب البيت وجلسوا في عزائهم، قائمين بأمر غسله وكفنه ودفنه صلوات الله وسلامه عليه وآله، في الوقت الذي كانت تدور فيه حوادث السـقيفة التي انتهت كما رأينا بمبايعة الأنصـار لأبي بكر رضي الله عنه.

ويواصل ابن قتيبة عرضه لما جرى فيقول: «وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار، إلى علي بن أبي طالب، ومعهم الزبير بن العوام رضي الله عنه - وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب فكان يعد نفسه من بني هاشم وكان علي كرم الله وجهه يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا - واجتمعت بنو أمية إلى عثمان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد (بن أبي وقاص) وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الناس أبا بكر، قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقاً شتى(29)، قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعتُهُ وبايعه الأنصار، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد (بن أبي وقاص) وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيها أُسَيْد بن حُضَيْر، وسلمة بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام بالسيف فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع، وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا»(30).

 

+                 +                 +


 

كيفية مبايعة أمير المؤمنين علي لأبي بكر

لقد اختلفت الروايات التاريخية في كيفية وزمن مبايعة علي عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه. فبعض الروايات تحكي أن عليّاً بايع أبا بكر فوراً ودون توقف، كما أخرج ذلك الطبري في تاريخه حيث قال:

«حدثنا عبد الله بن سعيد قال أخبرني عمي قال أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت: قال: كان عليٌّ في بيته إذ أُتِيَ فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميصٍ ما عليه إزارٌ ولا رداءٌ عجِلاً كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه، وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتجلله ولزم مجلسه»(31).

و لكن هذه الرواية منفردة لا يوجد ما يؤيدها، بل المسَلَّم به الذي اتفقت عليه أكثر التواريخ أن علياً عليه السلام كره البيعة وتوقف في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه ردحاً من الزمن إلى أن بايعه في النهاية، حسبما سيأتي شرحه، وذلك - على ما يظهر - بعد وفاة فاطمة عليها السلام. روى ذلك الطبري نفسه في تاريخه المذكور حيث قال:

«وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس. فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفيت. قال معمَّر: فقال رجل للزُّهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهرٍ؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع إلى مصالحة أبي بكر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟ قال: فانطلق أبو بكر فدخل على عليٍّ وقد جمع بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك ولا نفاسةٌ عليك بخير ساقه الله إليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم، فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليٌّ، تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فوالله لَقَرَابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما آلوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير، ولكني سمعت رسول الله يقول " لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال " وإني أعوذ بالله، لا أذكر أمرا صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله، ثم قال (علي): موعدك العشيّ للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليّاً ببعض ما اعتذر، ثم قام علي فعظَّم مِن حق أبي بكر رضي الله عنه وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر رضي الله عنه فبايعه. قالت (أي عائشة، وهي التي أخرج الطبري عنها هذه الرواية): فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسـنت، قالت: فكان الناس قريباً إلى عليٍّ حين قارب الحق والمعروف»(32). عند ذاك ذكر الطبري الرواية التي تبين مجيء أبي سفيان لحضرة علي عليه السلام يحرضه على أبي بكر رضي الله عنه ويقول له: [ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ وأيم الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا، قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضرّه بذاك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً].

وجاء في كتاب "الأخبار الموفقيات" (ص 585) أن عليّاً عليه السلام قال في رفضه لعرض أبي سفيان هذا: "لي عهدٌ مع رسول الله ونحن جميعاً ملزمون به".

و روى المسعودي الشيعي في تاريخه "مروج الذهب" قصة سقيفة بـني ساعـدة (في الجزء الأول، ص 412 من طبعة عام 1316 هـ)، كما أورد القصة مختصراً في تاريخه "التنبيه والإشراف" في ص 247 حيث قال: [وبويع أبو بكر في اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة 11 من الهجرة وقد كانت الأنصار نصبت للبيعة سعد بن عبادة بن دُلَيْم الأنصاري ثم الخزرجي، فكانت بينه وبين من حضر من المهاجرين في السقيفة منازعة طويلة وخطوب عظيمة، وعلي والعباس وغيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه، وكان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضي النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدَّ أكثر العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن كافر، ومانع للزكاة والصدقة، وكان أعظمهم شوكة وأخوفهم أمرا مسيلمة الكذَّاب الحنفي باليمامة وطليحة بن خويلد الأسدي في أسد بني خزيمة، وقد عاضده عُيَيْنة بن حصن الفزاري في غطفان فوجَّه أبو بكر إليهم وإلى جميع من ارتد من ضاحية مضر، خالدَ بن الوليد...(إلى أن قال في آخر ذلك الفصل) ولم يبايع علي عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه إلى أن توفيت (يعني فاطمة) وتُنُوزِع في كيفية بيعته إيَّاه](33).

وبهذا النحو أورد "اليعقوبي"، المؤرخ الشيعي، في تاريخه، تفاصيل قصة سـقيفة بني ساعدة، فقال تحت عنوان: خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر: «واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يوم توفي رسول الله........(34) يُغْسلُ، فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي، وعصَّبَتْه بعصابة، وثنت له وسادة. وبلغ أبا بكر وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح فقالوا: يا معشر الأنصار! منا رسول الله، فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر: منا الأمراء وأنتم الوزراء. فقام ثابت بن قيس ابن شمَّاس، وهو خطيب الأنصار، فتكلم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر: ما ندفعهم عن الفضل، وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، ولكن قريشا أولى بمحمد منكم وهذا عمر بن الخطَّاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمير هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم! فأبيا عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، وثنى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش.

ثم نادى أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير وبدَّل. وقام عبد الرحمن بن عوف فتكلم فقال: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وإن فيهم رجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني، علي بن أبي طالب. فوثب بشير بن سعد من الخزرج، فكان أول من بايعه من الأنصار، وأُسَيْد بن حُضَيْر الخزرجي، وبايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة، وحتى وطئوا سعدا. وقال عمر: اقتلوا سعدا، قتل الله سعداً!

و جاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم وقال: يا معشر بني هاشم، بويع أبو بكر. فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، ونحن أولى بمحمد. فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة.

و كان المهاجرون والأنصار لا يشُكُّون في عليٍّ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، وكان لسان قريش، فقال: يا معشر قريش، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، وصاحبنا أولى بها منكم.

و قام عتبة بن أبي لهب فقال(35):

ما كنت أحسب أن الأمر منصرفٌ           عـن هاشم ثم منها عن أبي الحسنِ

عن أوَّلِ الناس إيـمانـا وسابقـةً(36)       و أعلم الناس بالقرآن والسـننِ

و آخر الناس عهدا بالنـبي، ومَنْ             جبريل عون له في الغَسْل والكفنِ

مَـنْ فيـه ما فـيهمُ لا يمترون به           وليس في القوم ما فيه من الحَسَـنِ

ما ذا الذي ردهم عنـه فتـعلمه             ها إن ذا غبننـا مـن أعظم الغبن(37)

فبعث إليه علي فنهاه(38). وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطَّاب وأبي عبيدة الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً، فحمد أبو بكر اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمداً نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنَّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أموراً ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً، فوليت ذلك وما أخاف بعون الله وتشديده وهناً، ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وما انفكَّ يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامَّة المسلمين، يتخذكم لجأً فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع. فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك…...(39) عنكم وعلى رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا ومنكم.

فقال عمر بن الخطَّاب: إي والله وأخرى، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتـفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم.

فحمد الله العباسُ وأثنى عليه وقال: إن الله بعث محمداً كما وصفت نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنَّ على أمته به، حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده، فخلَّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله فحقاً أخذت، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرضاً ولا حللنا وسطاً ولا برحنا سخطاً، وإن كان هذا الأمر أنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلَّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رِسْلِكَ، فإن رسول الله من شجرةٍ نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.

و كان فيمن تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، وعلي معه قَصيّ، وقال:

بني هاشم لا تُطْمِعوا الناس فيكُمُ              و لا سيما تَيْمَ بن مـرَّةَ أو عـديّ

ما الأمـر إلا فيكم وإليكُمُ                    وليس لهـا إلا أبـو حسنٍ علـيّ

أبا حسن، فاشدد بها كف حازمٍ        فإنك بالأمر الذي يُرْتَجـى مَلِـيّ

وإنَّ أمرأً يرمي قصـيٌّ وراءه           عزيز الحمى، والناس من غالب قصي

وكان خالد بن سعيد غائبا، فقدم فأتى عليَّاً فقال: هلمَّ أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم اغدوا على هذا مُحَلِّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر...»(40).

ثم يذكر "اليعقوبي" بعد ذلك فصلا في خلافة أبي بكر يشير فيه إلى أن الأنصار اعتزلوه أول الأمر، فغضبت لذلك قريش فتكلم خطباؤها، وقدِم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار! ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي، فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج عليٌّ مغضبا حتى دخل المسجد، فذكر الأنصار بخير، وردَّ على عمرو بن العاص قوله(41)، فلما علمت الأنصار ذلك سرها وقالت: ما نبالي بقول من قال مع حُسْنِ قول عليٍّ. ثم اجتمعت الأنصار إلى حسان بن ثابت فقالوا: أجب قريشا وسألوه أن يذكر ويمدح في شعره عليّاً ففعل(42).

أما "الزبير بن بكار" فيروي، في كتابه "الأخبار الموفقيات" (الصفحة 58)، ندَمَ كثيرٍ من الأنصار على بيعتهم لأبي بكر على النحو التالي:

«حدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة قال: حدثني إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال: لما بويع أبو بكر واستقر أمره ندم قوم كثيرٌ من الأنصار على بيعته ولامَ بعضهم بعضا وذكروا علي بن أبي طالب وهتفوا باسمه وإنه في داره، فلم يخرج إليهم. (أي لم يؤيدهم في ذلك واستمر على بيعته لأبي بكر»(43).

 

+                 +                 +


 

بيعة أمير المؤمنين عليٍّ لأبي بكرٍ كما يرويها ابن قتيبة

ينقل ابن قتيبة في " الإمامة والسياسة" مبايعة الإمام علي لأبي بكر رضي الله عنه على النحو التالي: يقول: «... ثم إن علياً كرَّم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لأخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلباً لك شطره(44) واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً. ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه(45). فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا ابن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقدر على هذا الأمر منك، وأشد احتمالاً واضطلاعا به، فسلِّم لأبي بكر رضي الله عنه هذا الأمر فإنك إن تعش ويطُلْ بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقـعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به، لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لَفِينا فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعَتْهُ الأنصار منك قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه، ما اختلف عليك اثنان(46). وخرج عليٌّ كرَّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلاً في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجكِ وابن عمكِ سبق إلينا قبل أبي بكر رضي الله عنه ما عدلنا عنه، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم»(47).

هذه هي قصة سقيفة بني ساعدة كما روتها كتب السيرة والتواريخ الإسلامية القديمة المعتمدة، ولا خلاف لها فيما روته كتب الشيعة القديمة اللهم إلا النذر اليسير، وليس في أي منها أي ذكر لغدير خم ولا لاحتجاج الإمام علي به!، إلى أن ظهر ذلك في كتاب شيعيّ (متأخر) هو كتاب "الاحتجاج على أهل اللجاج" للطبرسي(48) ضمن رواية، تتضمن خطأ تاريخيا واضحا، حيث يقول: [...فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطَّأ الأرض لأبي بكر رضي الله عنه وقالت جماعة الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمِعَتْهُ منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه ما اختلف فيك اثنان، فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، وأخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحدا يسمو له، وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحل ما استحللتموه، ولا علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك يوم غدير خُم لأحد حجة، ولا لقائل مقالا، فأُنشِدُ اللهَ رجلا سمع النبيَّ يوم غدير خم يقول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله" أن يشهد الآن بما سمع. قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً(49) بذلك وكنت ممن سمع القول من رسول الله فكتمتُ الشهادة يومئذ فدعا علِيٌّ علَيَّ فذهب بصري](50).

قلتُ: نسبة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بقضية غدير خم، الذي رواه زيد بن أرقم، إلى عهد أبي بكر، أمر يخالف التواريخ المسلّمة التي يبدو أن واضع هذه الرواية كان عديم الاطلاع عليها، فقد ذكرت المصادر التاريخية الموثقة - (كما جاء ذلك مفصلاً في بحار الأنوار:ج22/ص32، والجزء الأول من كتاب الغدير) - أن استشهاد علي بواقعة الغدير وكتمان أو عدم كتمان زيد بن أرقم(51)، إنما حدث في رحبة الكوفة بعد ثلاثين عاما (من قصة السقيفة) في زمن خلافة أمير المؤمنين أثناء نزاعه مع معاوية، بهدف إثبات أن الحق معه وليس مع معاوية (لا بهدف إثبات النص الإلهي على خلافته!) وبهدف تشجيع المؤمنين على النهوض في قتال ابن أبي سفيان الذي نصب الحرب لعلي بغير حق، فذكَّرهم بواقعة الغدير كدليل وشاهد نبوي قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بنصرته وموالاته ومعاداة من عاداه وحاربه: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و..».وليس لهذا أي علاقة بموضوع النص على علي بالخلافة من قِبَلِ الله تعالى.

هذا بالإضافة إلى أن كتاب "الاحتجاج" الذي ذكر في تلك الرواية الضعيفة(52) أن اثني عشر بدرياً قاموا وشهدوا بما استشهدهم عليه أمير المؤمنين، ذكر رواية أخرى تخالفها حيث تبين احتجاج أولئك الاثني عشر (على أبي بكر) دون أن يأت في كلام أي واحد منهم أي ذكر أو احتجاج بغدير خم بل كل ما جاء في كلامهم أنهم بعد استئذانهم من أمير المؤمنين بالكلام قالو له: "يا أمير المؤمنين! تركت حقا أنت أحق به وأولى منه لأنا سمعنا رسول الله يقول: "علي مع الحق والحق مع علي" وهذه الجملة بحد ذاتها لا تؤدي الغرض ولا تثبت النص على عليٍّ بالإمامة، بل أكثر ما يفيده ظاهرها أنه أكثر استحقاقاً ولياقةً بذلك المنصب من أي أحدٍ آخر.

 

+                 +                 +


 

ما جاء في هذا الباب في كتبنا الشيعية

1 - كما ذكرنا، يتفق ما رواه الطبرسي في كتابه الاحتجاج - وهو من كتب الشيعة - عن قصة السقيفة وبيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر، مع ما جاء في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة المقبول عند أهل السنة أيضاً.

2 - كما رُوِيَت قصة السقيفة والبيعة لأبي بكر في كتاب "إثبات الوصية" المنسوب للمسعودي، والذي يعتبرونه من كتب الشيعة المعتمدة، كما نقل عنه ذلك العلامة المجلسي(53) (محمد باقر بن محمد تقي) في "بحار الأنوار"(54) فقال: «واتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله وتحنيطه وتكفينه وتجهيزه ودفنه بعد الصلاة عليه مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته مثل سلمان وأبو ذر ومقداد وعمار وحذيفة وأُبيّ بن كعب وجماعة نحو أربعين رجلاً. فقام (أي علي) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق بها من قريش وإن لم تكن في قريش فالأنصار على دعويهم، ثم اعتزلهم ودخل بيته»(55).

و إذا لاحظنا بدقّة ما جاء في هذا الكتاب الذي عنونه صاحبه بـِ"إثبات الوصية" أي الوصية بالخلافة لعلي، لا نجد فيه أي ادعاء من علي بأنه قد نصب لمقام الخلافة من قبل الله ورسوله، بل كان الاستناد في الدعوى لموضوع قبلي فحسب حيث قال: إن كانت الخلافة في قريش فأنا أحق بها من أي أحد من قريش، في حين يجب القول أن عليّاً أولى بها من جميع الناس على الإطلاق لا لكونه منصوباً من جانب الله والرسول بل لكونه أليق وأعلم وأتقى وأسخى وأشجع من سائر الصحابة، وهي الصفات المطلوبة في كل خلفاء المسلمين.

3 - ويروي الشيخ الطوسي(56) في ص 394 من كتابه: "تلخيص الشافي"(57) - (كما نقل ذلك عنه المجلسي في ص 63 من المجلد الثامن من "بحار الأنوار"(58) - قصة السقيفة والبيعة لأبي بكر فيقول: «...عن أبي مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمر الأنصاري قال: أن النبي صلى الله عليه وآله لما قُبِضَ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نُوَلِّي هذا الأمر من بعد محمد صلى الله عليه وآله: سعدَ بن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلامي ولكن تلقَّ مني قولي فأَسْمِعْهم، فكان يتكلم، ويحفظ الرجلُ قولَه فيرفع به صوته ويسمِع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب....(إلى آخر كلامه)»، ثم لما شعر الأنصار باحتمال عدم قبول قريش لذلك قالوا: «منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبداً، فقال سعد بن عبادة لما سمعها: "هذا أول الوهن" وأتى عمرَ الخبرُ فأقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار وعلي في جهاز النبي صلى الله عليه وآله... إلخ.»

و يروي نفس قصة السقيفة التي انتهت بالبيعة لأبي بكر، دون أن نجد في القصة أي كلام عن نصب الإمام علي خليفة من قبل الله ورسوله أو عن قصة الغدير.

و لقد جاءت في بعض كتب الشيعة الأخرى قصص وروايات مختلفة أخرى أيضاً عن قضية السقيفة وموضوع الخلافة والبيعة لأبي بكر ومعارضة علي ورد فعل مؤيدي أبي بكر تجاه معارضة علي وسنتعرض لهذه الروايات في حينها إن شاء الله. أما ما يلزم التذكير به هنا، أنه خلال حادثة السقيفة والمحاججات التي جرت فيها وبعدها (طبقاً لما روته كتب الشيعة والسنة)، لم يأت أي ذكر لقضية غدير خم أو لكون علي منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة وخلافة الرسول، لا مِنْ قِبَل أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا من قِبَل المتحزِّبين لعليٍّ، مع أن المدة بين حادثة غدير خم ووفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم تزد عن 70 يوماً فقط! حيث أن قضية الغدير - طبقاً لكل التواريخ ولإجماع الشيعة - وقعت في 18 من ذي الحجة سنة 10 للهجـرة أثناء عودة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حجة الوداع، مع اتفاقهم على أن وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقعت في 28 من صفر سنة 11 للهجرة(59).

فلو أن حادثة الغدير كانت حقَّاً على النحو الذي يدَّعيه المدَّعون من أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام خطيباً في غدير خم، فيما يزيد على مائة ألف من أصحابه الذين جاؤوا معه لحجَّة الوداع، فخطب بهم خطبةً طويلةً مفصّلةً نصب فيها عليّاً خليفة له وإماماً للمسلمين وأخذ له البيعة من الحاضرين جميعاً، بل حتى في بعض الروايات الشيعية أنه توقف في ذلك المكان ثلاثة أيام، ليأخذ البيعة له من جميع أفراد الأمّة حتى من النساء، وأن حسان بن ثابت أنشد أبياتاً من الشعر في هذه المناسبة(60)، بالإضافة إلى قولهم إن رسول الله ذكَّرَ أكثر من مرَّةٍ بنصبه للإمام علي - بأمر الله تعالى - أميراً وخليفة له عليهم، وأكَّد ذلك الأمر حين وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ليزيده استحكاماً، ورغم كل ذلك وبمجرد وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يأْبَهْ أصحابه - باستثناء قلة نادرة لا يزيد تعدادها على أحسن الأقوال عن أربعين رجل - لكل هذه التأكيدات والأوامر الإلـهية ولم يُعِيْروها أي اهتمام ولا أشاروا إليها أدنى إشارة، بل سارعوا للعمل على اختيار خليفة من بينهم، ففي البداية رشّح الأنصار وأهل المدينة سعد بن عبادة رضي الله عنه لخلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتحركوا لنصبه فتقدَّم المهاجرون بدورهم وقَلَبوا الأمر على الأنصار معتبرين أنفسهم أليق وأحق بمقام الخلافة منهم وحازوا فعلا منصب الخلافة بعد احتجاجاتهم التي تقدم ذكرها، ولم يأتوا في كل ذلك بأي ذكر على الإطلاق للإمام علي وخلافته المنصوص عليها ولا لقضية غدير خم وأخذ الرسول البيعة منهم لعليّ؟؟! إنها قصة يصعب على العقل قبولها وتخالف منطق الأمور ويصعب أن تجد لها نظيراً في التاريخ. إذ كيف يمكن لمائة ألف أو يزيدون، اجتمعوا في مكان واحد أمر على هذه الدرجة من الأهمية كالبيعة التي لها عند المسلمين والعرب بشكل خاص أهمية لا يضاهيها في أهميتها شيء، أن يتناسوها تماماً أو يجحدوها بعد سبعين يوم فقط لدرجة أن أحداً منهم لا يذكر شيئاً منها طوال عمره؟ إن مثل هذا الاتفاق لم يحدث في أي ملة من الملل.

والأعجب من ذلك أنه حتى أولـئك الأربعين شخصاً مورد الادعاء الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، لم يتكلموا أبداً عن شيء اسمه نصٌّ على عليٍّ عليه السلام أو تعيين له من قبل الله ورسوله ولا احتجوا أصلاً بشيء من هذا القبيل، بل لم تكن حجتهم إلا أنهم اعتبروا عليّاً أحق وأولى بهذا المقام، وحتى أولـئك البدريين الاثني عشر الذين احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه - طبقاً لما ذكره الطبرسي في كتابه الاحتجاج - واعترضوا على خلافته، لم يحتجُّوا بغدير خم. وكذلك لم ينقل عن أحد من الذي انفصلوا عن القافلة المتجهة للمدينة - بعد سماعهم خطبة الغدير - وانطلق كل منهم في طريقه إلى موطنه، ولم يكن لهم دوافع المهاجرين المقيمين في المدينة، لم يسمع عن أحد منهم اعتراضاً عندما وصل إليهم نبأ اختيار أبي بكر للخلافة أو تعجباً من أنه كيف صار خليفة مع أن علياً هو الذي نصبه الرسول صلى الله عليه وسلم للخلافة؟ لماذا لا نرى في كتب التاريخ أي أثر لمثل هذا الاعتراض أو رد الفعل؟!

مثل هذا الاتفاق على الكتمان والتوحُّد على النسيان الذي ادُّعي حصوله في أمة الإسلام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس له حقاً نظيرٌ في أي أمة في التاريخ! والأعجب من ذلك أن علياً عليه السلام نفسه أيضاً لم يُشِر إلى شيء من هذا الباب عند إعراضه في بداية الأمر عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه ولا احتج به! فهذا كله يضع علامات سؤال كبيرة حول كون واقعة الغدير كانت فعلاً نصَّاً نبوياً صريحاً وأمراً إلـهياً يفرض الإمارة الزمنية أي الخلافة السياسية المباشرة لعليٍّ عليه السلام على المسلمين.

 

+                 +                 +


 

نظرة إلى روايات ارتداد جُلِّ أصحاب الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج الشيخ المفيد(61) في كتابه الاختصاص بسنده: «عن محمد بن الحسن الصفَّار عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عمرو بن ثابت: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما قُبِضَ ارتد الناس على أعقابهم كفاراً إلا ثلاثاً: سلمان والمقداد وأبو ذر الغفاري، إنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء أربعون رجلاً إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: لا والله لا نعطي أحداً بعدك طاعة أبداً، قال: ولم؟ قالوا: إنا سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك يوم غدير [خم]، قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني غدا مُحَلّـِقِين، فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة! قال: وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر، فضرب يده على صدره ثم قال له: ما لك أن تستيقظ من نوم الغفلة، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد؟»(62).

قبل أن نتعرض لرواة هذا الحديث المفترى، من الضروري أن ننبه إلى أن متنه يتضمن إشكالا كبيراً جدا لا يتفق حتى مع الروايات التاريخية المسلمة عند الشيعة، ذلك أنه لم يذكر في عداد الذي استثناهم من الارتداد، العباس بن عبد المطلب عم علي عليه السلام ولا أبناء العباس عبد الله والفضل وقُثَـم، ولا خالد بن سعيد بن العاص والبراء بن العازب وحذيفة بن اليمان وأبو الهيثم التيهان و... والكثيرين الآخرين الذي تروي نفس كتب الشيعة أنهم كانوا - في موضوع الخلافة بعد رسول الله - من المؤيدين لخلافة علي ومن المخالفين - في ابتداء الأمر - لخلافة أبي بكر، لدرجة أن بعضهم اعتصم في بيت فاطمة عليها السلام إظهاراً لرفضه وعدم رضائه عما تم(63)! فما ندري ما هو ملاك الارتداد وعدمه عند واضع هذا الحديث؟؟! فإن قيل إن هؤلاء إنما اعتبروا مرتدين لأنهم إنما أيدوا عليّاً لسبب آخر غير الاعتقاد بأنه منصوص عليه؛ لوجب إذن في هذه الصورة اعتبار سلمان والمقداد أيضاً من المرتدين لأنهم - كما سنرى فيما بعد(64) - لم يكونوا يعتقدون بالنص على علي! أما لو كان ملاك الإيمان وعدمه (أي الارتداد) هو مساندة وتأييد خلافة علي وعدمه، فإن عدد غير المرتدين لا يتناسب مع عدد الثلاثة أو السبعة المذكور في الحديث! حقا إن حبل الكذب لقصير كما يقولون. والآن لنأت لفحص سند هذا الحديث وأضرابه:

إن راوي هذا الحديث الموضوع المكذوب هو "عبد الله بن القاسم الحضرمي" الموصوف عموماً في كتب رجال الشيعة بأنه: [كذاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يُعْتَدُّ بروايته].

1- أما رواة ورجال هذا الحديث من أوائل علماء الشيعة بعد الغيبة فلن نبحث فيهم الآن وسنبدأ من "موسى بن سعدان"، الذي عرَّفَتْه كتب الرجال الشيعية بما يلي:

 أ - في كتاب "الرجالللنجاشي(65)، في الصفحة 317: [موسى بن سعدان الحناط، كوفي روى عن أبي الحسن في مذهبه غلوّ.]

ب - في كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي(66) قال: [(غض)(67) موسى بن سعدان الحناط: كوفي روى عن أبي الحسن، ضعيف في مذهبه غلـوّ.]

 ج - في كتاب "خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" للعلامة الحلي(68): جاء ذكر موسى بن سعدان في الصفحة 375 من القسم الثاني من الكتاب المخصص للضعفاء والغلاة وقال عنه الحلي: [ضعيف في مذهبه غلو].

د - في كتاب "الرجال لابن داوود الحلي(69): ذكر المؤلف اسمه في الصفحة 545 في عِداد الضعفاء والمجروحين والمجهولين.

هـ- وأخيراً ذكره الشيخ محمد طـه نجف(70) في الصفحة 376 من كتابه "إتـقان المقال في أحوال الرجال" في القسم الثالث المخصص للضعفاء.

2 - أما عن الحال الوخيمة للمدعو "عبد الله بن القاسم الحضرمي" فجاء ما يلي:

أ- قال النجاشي عنه في الصفحة 167 من كتابه الرجال: [عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، كذاب غال يروي عن الغلاة، لا خير فيه ولا يُعتَدُّ بروايته]

ب- وقال القهبائي في الصفحة 34 من الجزء الرابع من كتابه "مجمع الرجال": [(غض) عبد الله بن القاسم البطل الحارثي، كذاب، غال، ضعيف، متروك الحديث، معدولٌ عن ذكره. وأيضا عن (الغضائري): عبد الله بن القاسم الحضرمي: كوفي ضعيف أيضاً غال متهافت لا ارتفاع به.]

ج- وقال الشيخ الطوسي في الصفحة 357 من كتابه "الرجال": [عبد الله بن القاسم الحضرمي، واقفي].

د- ويقول العلامة الحلي في "الخلاصة": [عبد الله بن القاسم الحضرمي من أصحاب الكاظم واقفي، وهو معروف بالبطل وكان كذابا، روى عن الغلاة، لا خير فيه ولا يُعتَدُّ بروايته وليس بشيء ولا يُرْتَفَع به].

هـ- وقال ابن داود في "الرجال": [عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، واقفي كذاب غال يروي عن الغلاة ولا خير فيه ولا يعتد بروايته، ليس بشيء].

و- وقد وُصِفَ بعين هذه الأوصاف في "إتقان المقال" لطـه نجف (صفحة 361) و"نقد الرجال" للتفرشي(71) (الصفحة204) و"منهج المقال" للميرزا الإسترآبادي(72).

3- أما عمرو بن ثابت الذي روى عبد الله هذا، عنه، هذا الحديث:

أ- فقال عنه القهبائي في مجمع الرجال (ص 257): [(غض) عمرو بن ثابت بن هرمز أبو المقدام مولى بني عجل، كوفي ضعيف جدا].

ب- وذكره العلامة الحلي في الصفحة 241 من "خلاصة الرجال" في القسم الثاني المخصص للضعفاء وقال: [عمرو بن ثابت ضعيف جدا، قاله الغضائري]، أما باقي كتب الرجال فقد توقفت في شأنه، وعلى أي حال يكفي للحكم بوضع وكذب ذلك الحديث وجود عبد الله بن القاسم الكذاب في سنده.

وهناك رواية أخرى في هذا الباب أخرجها أيضاً المفيد في كتابه المذكور نفسه فقال: [عن الحرث بن المغيرة قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله عليه السلام فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذا؟ فقال: إي والله يا ابن أعين، هلك الناس أجمعون، قلت: أهل الشرق والغرب؟ قال: إنها فُتحت على الضلال، إي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر: سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد، ولحقهم عمَّار، وأبو ساسان الأنصاري، وحُذَيفة، وأبو عمرة فصاروا سبعة](73).

قلتُ: أصل هذه الرواية عند الكِشِّي(74) في كتابه "الرجال"(75) (ص 13) بالسند التالي: «محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن الحسن بن فضال قال: حدثني العباس بن عامر وجعفر بن محمد بن حكيم عن أبان بن عثمان عن الحرث بن المغيرة البصري قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله..إلخ الحديث بعينه»(76)

 

فلنر حال رجال سندها:

أما "علي بن الحسن بن فضال"، فقد بينا في كتابنا الزكاة(77) سوء حاله وطعن علماء الرجال فيه وتضعيف فقهاء الشيعة له، إلى درجة أن صاحب "السرائر"(78) قال عنه في باب تقسيم الخمس من كتابه (الصفحة 115): [واقفي(79) وكافر وملعون! هو وأبوه رأس كل ضلال].

أما "جعفر بن محمد بن حكيم"، فقد ذكر الشيخ الماماقاني(80) في الصفحة (223) من كتابه "تـنـقيح المقال" عن رجل من أهل الكوفة أنه قال: [و أما جعفر بن محمد بن حكيم فليس بشيء!].

و أما "أبَّان بن عثمان":

أ- فقال عنه العلامة الحلي في الصفحة 21 من الخلاصة أنه [فاسد المذهب لأنه من الناووسية(81)].

ب- وقال المحقق الحلي(82) في كتابه "المعتبر": [في أبَّان بن عثمان ضعفاً].

ج- كما اعتبره الكشي في كتابه "الرجال" (الصفحة 3) من الناووسية.

د- ونقل فخر المحققين(83) عن أبيه العلامة الحلي أنه كان يقول: [الأقرب عدم قبول روايته لقوله: إن جاءكم فاسـقٌ بنبأ فـتبيَّنوا، ولا فسق أعظم من عدم الإيمان].

كذلك أورد المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص 47) نقلا عن رجال الكشـي: «عن علي بن الحكم عن ابن عمـيرة عن أبي بكر الحضـرمي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ارتدَّ الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذر والمقداد!. قال: قلت: فعمّار؟ قال (أي أبو جعفر الباقر) قد كان حاص حيصةً ثم رجع...»(84).

سند هذا الحديث أيضاً ليس بأحسن حالا من سند الحديثين السابقين، ومن المسلم به أن مثل هذه الأحاديث، من وضع الغلاة بل ربما تكون من وضع أعداء الإسلام، ليس لإثارة العداوة وبث الاختلاف والفرقة بين المسلمين فحسب بل ربما بهدف اجتثاث جذور الإيمان بالله تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالقرآن الكريم أي برسالة الإسلام من الأساس، كما سيأتي توضيح هذا المدعى عن قريب.

فبالإضافة إلى السند الواهي لتلك الأحاديث، كما رأينا، فإن متنها أيضاً موضع إشكال كبير، لأنه يتعارض مع صريح آيات القرآن وحكم العقل والوجدان، ذلك أن رب العالمين، مدح وأثنى على مسلمي الصدر الأول، أعني أصحاب النبي المختار الذين يشكل المهاجرون والأنصار أعلامهم وزبدتهم، في أكثر من خمسين آية من آيات القرآن، كما أن سيرة وحياة أولـئك الكرام تدل على أن عامتهم إنما دخلوا في الإسلام عن إيمانٍ قلبيٍّ ورغبةٍ صادقةٍ، وقدموا في سبيل نصرته أكبر التضحيات إلى حدّ بذل الروح وترك الديار والعشيرة والأقرباء والهجـرة والبعد عن الوطن واللجوء لبلدان مخالفة لدينهم كما لجأ المهاجرون إلى الحبشة التي كانت بلدا نصرانيا مخالفا للإسلام ظاهرا، وكم من المصاعب والمشقات تحملوها في سبيل إيمانهم وعقيدتهم وإسلامهم مما سيأتي شرحه عن قريب إن شاء الله. فكيف يجتمع هذا، مع القول بأن مثل أولـئك الرجال المؤمنين الأبطال، لم يهتمُّوا بعد رحلة رسول الله بنصّ الله ولا بأمر رسوله الصريح الواضح، بل تحدوا كل ذلك وجحدوا حق عليٍّ القطعي والمعين من الله، وأعطوه لأبي بكر، ولماذا؟ لا لأجل شيء أبداً سوى لسواد عيني أبي بكر رضي الله عنه - كما يُقال (!)ـ، حيث لم يكن لأبي بكر رضي الله عنه آنذاك أي قوة مادية أو سلطان قبائلي أو قوة عشائرية أو ارتباط (ودعم) من دولة أجنبية! أي أنه لو فرضنا أنه كان لأبي بكر رضي الله عنه مصلحة في القضية، فما هي مصلحة أصحاب رسول الله الكرام من الأنصار والمهاجرين في أن يصرفوا الخلافة عن صاحبها الشرعي ويعطوها لغيره؟!.

وقد حاول بعض العلماء حل هذا الإشكال وتبرير صرف الأصحاب الإمارة عن علي بأن سببها يعود لكون عليٍّ كان قد قتل عددا كبيراً من المشركين العرب في معارك فجر الإسلام إبان حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم حتى كانوا يسمُّونه (قـتَّال العرب)، فلم يكن بيت من بيوت العرب لم يصب بأحد أفراده على يده عليه السلام، لهذا السبب عملت الأحقاد والثارات التي بقيت في الصدور عملها بعد رحلة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعلت الكثير من أصحابه يغمضون أعينهم عن نص الله ونصوص رسوله على عليّ، ويغصبون حقه في الإمارة والخلافة، وقد يبدو هذا الحل مقنعاً في البداية لكنه عند التحقيق والتمحيص يتبين أنه ادعاء يفتقر إلى أساس علمي صحيح ويتناقض مع الشواهد التاريخية، ذلك لأن علياً عليه السلام إذا كان قد قتل كثيراً من المشركين فإن أيا ممن قتلهم لم يكن من ذوي المهاجرين والأنصار الذين كانوا هم المؤسِّـسين لبيعة أبي بكر رضي الله عنه، وحتى لو فرضنا أن بعض المهاجرين كان لهم أقرباء قَتَلَهم عليّ عليه السلام - مع أننا لا نعلم أحداً كذلك - فإنه من المحال أن يحقد المؤمنـون المهاجرون - الذين كانوا هم أنفسهم يقتلون آباءهم وإخوانهم بأيديهم في سبيل رضا الله ولبقاء الإسلام - على عليٍّ لقتله بعض قرابتهم من المشركين!

نعم كان عليٌّ قد قتل من كفار قريش بعضاً ممن التحق أقرباؤهم بالنهاية بالمسلمين، ومثل هؤلاء يحتمل أن يكون قد بقي في صدورهم حقد تجاه ذلك الجناب، ومن أعلام هؤلاء أبو سفيان الذي قتل عليٌّ أبا زوجته وأخاها؛ لكن مثل هؤلاء لم يكن لهم حق ولا دور في انتخاب الخليفة لأن ذلك الحق كان خاصّاً بالمهاجرين والأنصار ومجاهدي بدر وأحد وما كان لأولـئك الطلقاء أن يدخلوا في صفوفهم، هذا بالإضافة إلى أن أبا سفيان كان على العكس، من الذين عارضوا بيعة أبي بكر وتحزَّبوا - حسب الظاهر - لعلي!

إذن، القول بأن المهاجرين والأنصار، الذين كانوا المؤسسين للبيعة لأبي بكر، قد أنكروا نصاً إلـهياً على علي عليه السلام، ولم يذكروا اسمه في هذه القضية عمداً وارتدوا بذلك بعد رسول الله إلا ثلاثة نفر - (مع أن اثنين من أولـئك الثلاثة ليسا لا من المهاجرين ولا من الأنصار!) - قولٌ لا ينسجم مع آيات القرآن، ولا أعتقد أن أيَّ مؤمن يسمح لنفسه بمعارضة القرآن ومخالفته.

 

+                 +                 +


 

الآيات التي نزلت في مدح أصحاب الرسول
(صلّى الله عليه وآله وسلّم)

1- قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ الله وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:99-100].

يقول الشيخ الطوسي عند تفسيره لهذه الآية في تفسيره "التبيان": [أخبر الله تعالى أن الذين سبقوا أولا إلى الإيمان بالله ورسوله والإقرار بهما من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وإلى الحبشة ومن الأنصار الذين سبقوا أوَّلاً غيرهم إلى الإسـلام من نظرائهم من أهـل المدينة والذين تبعوا هؤلاء بأفعال الخير والدخول في الإسلام بعدهم وسلوكهم منهاجهم...](85).

قلت: أيُّ مؤمنٍ بالـقـرآن يمكنه - بعد أن يرى هذه الآيات الطافحة بالبشـارة بالرحمة والرضوان والوعد بالجنة والفوز العظيم للمهاجرين والأنصار، الذين هم أنفسهم المؤسسون الأصليون لبيعة أبي بكر رضي الله عنه في السقيفة - أن يصدق مثل ذلك الحديث القائل:[ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!

الآن لنر بعض أولئك المهاجرين الذين كانوا في بيعة السقيفة وبايعوا أبا بكر رضي الله عنه وبقوا أوفياء لبيعتهم، ممن مدحهم الله تعالى في هذه الآيات: فأحدهم "عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب" رضي الله عنه من بني سعد، كان من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، وكانت هجـرتهم أول هجـرة في الإسلام، واستشهد في معركة القادسية في خلافة عمر رضي الله عنه مجتهدا في سبيل الله تحت إمرة سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه(86)، ومنهم "هبَّار بن أبي سفيان بن عبد الأسد بن مخزوم" رضي الله عنه وقد استشهد (على أصح الأقوال) في معركة أجنادين في الشام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه(87)، ومنهم أخو هبار الأخير "عبد الله بن سفيان" رضي الله عنه الذي استشهد في الشام في معركة اليرموك في خلافة عمر رضي الله عنه(88)، وغيرهم الكثير ممن لا يتسع المجال هنا لشرح حالهم.

2- ويقول سبحانه: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أبداً إِنَّ الله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة:20-22].

فكيف ينسجم القول بارتداد الكثير من الأصحاب بعد رسول الله مع هذه الآيات البينات؟! ولكي نعرف من هؤلاء الموعودون بهذا الثواب العظيم نأتي بآيات أخرى تضمنت نفس العبارات والألفاظ:

3 - يقول الله رب العالمين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [الأنفال:72]. فهؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، هل هم إلا المهاجرون إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم المجاهدون مع رسول الله؟ وكذلك الذين آووا ونصروا، هل هم إلا أهل المدينة؟ أي أنهم مؤسسو بيعة السقيفة أنفسهم. فهل هؤلاء ارتدوا على أعقابهم كفاراً بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟! لنسمع إجابة سورة الأنفال هذه نفسها على افتراء أولـئك المفترين وأعداء الإسلام والمسلمين، حيث يقول سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال:74]. الله الخالق، الذي يعلم الظاهر والباطن، يقول"أولـئك هم المؤمنون حقاً"، ولكن كتابي "الاحتجاج على أهل اللجاج" و"البرهان" في تفسير القرآن (لمؤلفيهما: الطبرسي(89) والبحراني(90) على الترتيب) مليئان مع الأسف بروايات الغلاة التي تقول: أولـئك ارتدُّوا بعد رسول الله إلا ثلاثة! ومن المفارقات العجيـبة أن اثنين من أولـئك الثلاثة لا تشملهم الآية الكريمة من ناحية الهجـرة والجهاد بالمال وإيواء المهاجرين! لأن سلمان وأبا ذر لم يكونا لا من المهاجرين ولا من الأنصار، فلا هم من الذين أُخْرِجوا من ديارهم وأُجبِروا تحت ضغط العذاب والفتنة في الدين على ترك أهلهم وديارهم ووطنهم، ولا هم من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله، لأنهم كانوا فقراء، ولا هم من أهل المدينة الذين آووا ونصروا المهاجرين، وهذا أمر لا يخفى على من له معرفة بتاريخ الإسلام وسيرة أولـئك الكرام، إذ لكل منهم تاريخ معروف وسيرة واضحة يُعْلَم منها أنهم لم يكونوا من المهاجرين ولا من الأنصار(91)، وإليكم نبذة من سيرتهم:

1 - أما سلمان الفارسي رضي الله عنه فكان من أهل أصفهان وترك وطنه وابتعد عن أهله بحثاً عن الدين الحق، ولم يكن عند ذاك متشرِّفاً بنعمة الإسلام بعد، لذلك لا يصـح اعتباره مصـداقاً لقوله تعالـى: "الذين آمنوا وهاجروا"، ثم سكن آخر الأمر في المدينة حيث صار عبداً لامرأة أو رجل يهودي، ثم اشتراه نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة بعد غزوة أحد وأعتقه(92). لذا فإنه رضي الله عنه ليس فقط لم يكن مصداقاً واضحاً لـ﴿ الذين آمنوا وهاجروا ﴾ بل كذلك لم يكن مصداقا لـ ﴿ وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ (93)، ولما لم يكن من الأنصار أيضاً، لم يكن مصداقاً لبقية الآية أي لـ﴿ الذين آووا ونصروا ﴾. وهذا لا يمنع أنه كان على أعلى درجات الإيمان بل كان في قمة الإيمان رضي الله عنه وأرضاه.

2 - وأما أبو ذر رضي الله عنه فكان من قبيلة غفار، وبعد أن بُعِثَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واشتهر نبؤه بين العرب ووصل خبره لأبي ذر، ذهب إلى مكة ليستطلع الأمر بنفسه، فلقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأسلم، وأمَرَه رسول الله بكتمان إيمانه والعودة إلى بلده إلى حين قوة الإسلام، فلما هاجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة لحق به أبو ذر رضي الله عنه طائعا مختارا دون أن يضطره أحد إلى الهـجـرة من وطنه(94).

3 - وأما المقداد رضي الله عنه، فمع أنه من السابقين الأولين الذين آمنوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكة، إلا أن هجـرته تمَّـت بطريقة خاصة وهي أنه لما خرج كفار مكة لقتال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن معه من المسلمين في المدينة، خرج المقداد متنكرا مع عتبة بن غزوان ضمن صفوف كفار قريش، واتجه للمدينة ولحق بالمسلمين فيها. نعم كان المقداد من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، لذلك تشمله الآية الكريمة، ولكن سيرة المقداد رضي الله عنه تدل على أنه لم يكن يعتقد بنص الله عز وجل على علي بالخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يدل على ذلك ما نقله الطبري في تاريخه حين قال: [وقال (أي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طُعِن) للمقداد بن الأسود: إذا وضعتمـوني في حفرتي فأجمع هـؤلاء الرهـط في بيـت حتـى يختاروا رجلا منهم،و قال لصهيب: صَلِّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخِل عليّاً وعثمان والزبيـر وسـعدا وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة إن قدم، وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما...(إلى قوله): فلما دُفِنَ عمر جمع المقداد أهل الشـورى في بيت المسـور بن مخرمة ويُقال في بيت المال..إلخ](95). فقبول المقداد رضي الله عنه لهذه المهمة دليل على عدم اعتقاده بالنص على علي بالخلافة. طبعا هذا لا يمنع أن مقدادا كان من مؤيدي وأنصار علي عليه السلام وسعى لنقل الخلافة إليه بعد عمر رضي الله عنه.

لا شك أن أولـئك الكرام الثلاثة كانوا من كبار أصحاب الرسول المختار وأجلتهم، ومن المشمولين بثناء الله ورحمته ورضوانه، لكن اثنين منهم على الأقل ليسا مصاديق واضحة لتلك الآية المذكورة، وإنما ذكرنا ذلك لكي نبين فضـيحـة ذلـك الحديث الكاذب والمـخالـف للـوجدان والمتعارض مع آيات الله، فالقول بارتداد جلّ الصحابة على أعقابهم إلا ثلاثة بسبب انصرافهم عن بيعة علي عليه السلام ليس إلا هراء وافتراء(96).

4 - وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:117].

يقول الشيخ الطوسي في تفسيره: [أقســم اللـه تعالى في هذه الآية، لأن لام لقد لام القسم، بأنه تعالى تاب على النبي والمهاجرين والأنصار بمعنى أنه رجع إليهم وقبل توبتهم، الذين اتبعوه في ساعة العسرة، يعني في الخروج معه إلى تبوك، والعسرة صعوبة الأمر وكان ذلك في غزاة تبوك لأنـه لحقهم فيها مشـقّـة شديدة من قلة الماء حتى نحروا الإبـل وعصروا كروشها ومصوا النوى وقل زادهم وظهرهم،..(إلى قوله): وقيل من شدة ما لحقهم هَمَّ كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم...أي رجع عليهم بقبول توبتهم إنه بهم رؤوف رحيم.](97).

قلت: ففي هذه الآية يضع الله تعالى المهاجرين والأنصار في صف واحد مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويشملهم جميعاً بالتوبة والرأفة والرحمة، إعلاما لنا أن مقام المهاجرين والأنصار في توبة الله عليهم مثل مقام النبي المختار (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فهل مثل هؤلاء صاروا مرتدين؟؟

5- ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله..  ﴾ [آل عمران:110].

قال الشيخ الطوسي عليه الرحمة في تفسير التبيان: [واختلف المفسرون في المعـنـِيِّ بقوله كنتم خير أمة، فقال قوم: هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله، ذكره ابن عباس وعمر بن الخطاب والسُدِّي، وقال عكرمة نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل، وقال الضحاك: هم من أصحاب رسول الله خاصة...](98).

وأيَّاً كانوا فإنهم عند الله خير أمة، أمّا عند جماعة الغلاة واضعي الحديث، فإنهم كانوا أسوأ أمة!(99). فأيهما نقبل: قول الرب سبحانه أم قول الغلاة المخالفين للقرآن؟

6- يقول تعالى بدأً من الآية الرابعة من سورة الفتح: ﴿ هُو الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ......... لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الله فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ إلى الآية 18 حيث يقول: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ إلى الآية 26 حيث يقول: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ثم يختتم السورة بقوله: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ..الآية ﴾ [الفتح:29].

من كان هؤلاء المشار إليهم في هذه الآيات؟ هل كان لهذه الآيات مصاديق في الخارج أم لا؟ هل مات جميعهم قبل وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أم بعد وفاته؟ هل تدخلوا في اختيار الخليفة بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أم لم يتدخلوا؟ هل جميع هذه الآيات نزلت في أولئك الثلاثة أم أنها تشمل آخرين؟..إنها أسئلة تطرحها هذه الآيات، والذي يحق له الإجابة عنها هو المؤمن، لا الغالي المفرط في التعصب مثل "عبد الله بن القاسم الحضرمي"! الذي يجب أن يجيب عن هذه الأسئلة هو المؤمن بالقرآن المعتقد أنه تنزيل رب العالمين العالم بالظواهر والبواطن، لا عبد الله بن القاسم الحضرمي (و أمثاله) الغالي الكذاب الذي يفتري على لسان إمام من الأئمة أنه قال: ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!.

7 - وهناك آيات عديدة أخرى في مدح أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نشير لبعضها مثل قوله تعالى: ﴿ ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ..  ﴾ [البقرة:285]. هل ارتد أولئـك المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله؟ هل كان لهذه الآية الكريمة عندما نزلت مصاديق أم لا؟ إن كان لها مصاديق فمن كانوا؟، أو قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران:164].

هل كان هناك مؤمنون منَّ الله عليهم بما ذكر؟ وفي حال وجودهم فهل ماتوا جميعاً قبل رحلة رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟ هل يستطيع أحد أن يدعي مثل هذا الادعاء؟

8 - وتلك الآية الكريمة التي نزلت بحق المؤمنين المجاهدين في واقعة حمراء الأسد التي يقول الله تعالى فيها: ﴿ .. وَأَنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِـلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ الله وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران:171-174].

هل مثل هؤلاء المؤمنين كان لهم وجود أم لا؟ وإن كان لهم وجود فمن كانوا؟ هل كانوا أولـئك الثلاثة فقط الذين لم يرتدوا بعد رسول الله، أي سلمان والمقداد وأبو ذر؟! هذا في حين أن سلمان لم يكن في ذلك الحين بين أولئك المؤمنين المشار إليهم في الآية أصلاً لأنها نزلت في شأن مجاهدي غزوة أُحُد وسلمان لم يلتق برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويُسْـلِم على يديه إلا بعد أُحُد، كما أن وجود أبي ذر رضي الله عنه بينهم ليس مؤكداً، إذن مَن هم الذين يمدحهم الله في هذه الآيات كل هذا المديح؟ وهل ماتوا جميعاً قبل وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ الحقيقة أن اسم مجاهدي بدر وأحد مسجل في التاريخ وأكثرهم كانوا أحياء في زمن الخلفاء بعد رسول الله وسيرتهم المليئة بالفخار والعظمة مدونة معروفة.

9 - أو الآيات الكريمة: ﴿ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ......(إلى قوله تعالى): فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ الله وَالله عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران:190-195].

يقول الشيخ الطوسي في تفسيره الشريف "التبيان": [وقال (الطبري): الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) من وطنه وأهله مفارقا لأهل الشرك بالله إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وغيرهم من تُبَّاع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الذين رغبوا إليه تعالى في تعجيل نصرهم على أعدائهم وعلموا أنه لا يخلف الميعاد بذلك، غير أنهم سألوا تعجيله وقالوا لا صبر لنا على أناتك وحلمك، وقوَّى (أي الطبري) ذلك بما بعد هذه الآية من قوله فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا...الآيات بعدها،(يقول الطوسي) وذلك لا يليق إلا بما ذكره ولا يليق بالأقاويل الباقية وإلى هذا أومأ البلخي لأنه قال في الآية الأخرى والتي قبلها (نزلت) في الذين هاجروا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ثم (نزلت) في جميع من سلك سبيلهم واتبع آثارهم من المسلمين...](100).

نسأل ثانية: من هم هؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم أنهم هاجروا وأُخْرِجوا من ديارهم وأموالهم وأوذوا في سبيله وقاتلوا وقتلوا وأنه سيدخلهم جناته؟ إنهم المهاجرون والأنصار أي نفس أولئك الذين يقول ذلك الحديث الموضوع عنهم: ارتدّ الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة. أي قلب يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر يمكنه أن يقبل بعد ذلك بمثل ذلك الحديث الموضوع الذي وضعه الغلاة المنحرفون؟

10 - والآية الكريمة: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:8-9].

من كان هؤلاء الذين أُخْرِجوا من ديارهم واضطروا لترك أموالهم طلباً لرضا الله تعالى وفضله، الذين نصروا الله ورسوله وسماهم الله بالصادقين؟ ألم يكونوا هم أنفسهم الذين حضروا السقيفة؟ وهل كان هؤلاء الذين تبوَّؤا الدار والإيمان، والذين أحبوا المهاجرين إليهم وآووهم في بيوتهم وآثروهم على أنفسهم، إلا الأنصار الذين أتوا بسعد بن عبادة رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السقيفة وأرادوا أن يجعلوه خليفة ويبايعوه؟

 

 

+                 +                 +


 

أي القولين نختار؟

هذه الآيات وعشرات من الآيات الأخرى(101) التي نزلت في كتاب المسلمين السماوي في مدح وتمجيد أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأبرزهم المهاجرون والأنصار، أمام عيني كل مسلم عالم بالقرآن ومؤمن بما فيه؛ تعارض بشدة تلك الأحاديث التي تدعي ارتداد أغلب المسلمين وعودتهم إلى الكفر، فور رحلة رسول الله ومفارقته للدنيا، إلا بضعة أفراد منهم فقط! أي الثلاثة أو السبعة الذين بقوا على إيمانهم بالخلافة المنصوصة لعلي!

إن المحقق المنصف المتجرّد عن العصبية والتقليد لا يمكن أن يصدق تلك الأحاديث ولا ما قيل عن مخالفة المهاجرين والأنصار للخلافة المنصوص عليها، لأنه إما أن تكون هذه الآيات من عند الله أو لا تكون، فإن لم تكن من عند الله فالقرآن - والعياذ بالله - من اختلاق وتلفيق غير الله، وإذا صار القرآن من اختلاق وتلفيق غير الله فمعنى هذا انهدام الإسلام، المبتني على القرآن، من أساسه، وإذا انهدم وانهار الإسلام، الذي هو الأصل، فما قيمة إثبات الخلافة المنصوص عليها أو غير المنصوص عليها وما هي إلا فرع لذلك الأصل؟ هل هذا إلا كما قال الشاعر:

خانه از باي بست ويران اسـت             خواجه در بند نقش ايوانست

أي: البيت خَرِبٌ من قواعده           و الخواجه مشغول بزخرفة شرفته!

و أما إن كان القرآن من عند الله، وهو قطعا كذلك، وإن كان الله سبحانه وتعالى عالم بالغيب والشهادة عليم بذات الصدور، وهو قطعا كذلك، إذن فهو يعلم بحقيقة من يمدحه في كتابه ويبشره بالفوز والفلاح، عندئذ يجب أن يكون موقفنا واضحا من الآيات الكثيرة مثل قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال:74]، ﴿ و أُوْلَـئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ ﴾ ﴿ وأُوْلَـئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ ﴿ وأولـئك لهم الخيرات وأولـئك هم المفلحون ﴾ ﴿ كنتم خير أمـة ﴾ ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ [الفتح:26] ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:100]، وعشرات الآيات الأخرى.. ونعود فنسأل هل كان لتلك الآيات مصاديق في عالم الخارج أم لا؟ فإن كان يوجد لها مصاديق فمن هم؟ ألم يكونوا نفس الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لنصب الخليفة؟ فهل كان الله تعالى، الذي امتدحهم وأثنى عليهم، عالما بسرائرهم وضمائرهم خبيرا بماضيهم ومستقبلهم أم لا؟ بديهي أن الشق الثاني من السؤال لا يمكن لمؤمن بالله أن يلتزم به "تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً"! وأما إن كان عليماً خبيراً، وهو قطعاً كذلك، فمن يستطيع أن يدعي أن الله العليم الخبير مدحهم وأثنى عليهم (وشهد لهم بصدق الإيمان ووعدهم بالجنات والرضوان) لكنهم ارتدوا، فور وفاة نبيهم، على أعقابهم كفاراً (خونة) وجحدوا أمر الله تعالى بتأمير علي عليه السلام عليهم؟!(102). ذلك لأن الله تعالى، الذي يعلم الغيب ويعلم فيما إذا كان عبدٌ من عباده سيرتكب من الأعمال في المستقبل ما يحبط أجره ويبطل سوابقه الصالحة، إذا قال عن فلان أنه مفلح وفائز وأعددت له الجنات، كان ذلك دليلاً قاطعاً على أن ذلك العبد لن يرتكب عملا يمنعه من الدخول في الجنة وأن عثراته ستكون مغفورة.

ألم يكن الله تعالى الحكيم العليم الخبير يعلم أن أصحاب نبيه لم يكونوا مهتمين بصدق بحقائق الدين بل قبلوه قبولا ظاهريا سطحيا ومتزلزلا - كما تدعيه الروايات التي وضعها الغلاة المندسّين بين شيعة آل البيت الأطهار - بل طبقاً لبعض رواياتهم كان أولـئك الصحابة في نفس زمن حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد شكلوا زمراً ومجموعاتٍ سريةً وعقدوا فيما بينهم عهوداً وكتبوا صحيفةً ملعونةً أودعوها الكعبة!، وأنه منذ أول يوم تظاهروا فيه بالدخول في الإسلام لم يكن لهم هدف سوى الوصول للإمارة والحكومة! وأن قلبهم كان طافحاً ببغض أهل البيت وبمجرّد أن ارتحل النبي ارتدوا على أعقابهم وأنكروا أهم أصل من أصول الدين وهو الإمامة المنصوص عليها من الله؟! فكيف إذن أنزل تعالى في شأنهم كل آيات الثناء والمديح والشهادة بالإيمان والفوز والفلاح تلك؟! آيات تبقى خالدة إلى يوم القيامة يتلوها المؤمنون آناء الليل وأطراف النهار يحبون بسببها المهاجرين الأنصار ويغبطونهم على إيمانهم وفلاحهم.

أجل إن تصديق رواية «لما قبض النبي ارتد الناس إلا ثلاثة (أو سبعة)...» وأمثالها يؤدي إلى تكذيب جميع الآيات القرآنية الكريمة السابقة، أو إلى اتباع البدعة التي وضعها بعض أعداء الإسلام لإسقاط الكتاب المجيد عن الحجية، بادعائهم أن كتاب الله غير قابل للفهم البشري وأننا لا نستطيع أن نفهم المراد الحقيقي منه! وأن ظواهره غير مرادة، وعندئذ يفتح الباب للباطنية الذين يفسرون القرآن على أهوائهم فيأتون بغرائب وأباطيل لم ينـزّل الله بها من سلطان!

أجل إن الإصرار على صحّة أمثال تلك الروايات، يلزم منه اعتبار تلك الآيات القرآنية الكريمة إما خاطئة - والعياذ بالله - أو غير مفهومة، وبالتالي ففاعل ذلك يغفل - أو يتغافل - عن أنه بإصراره على إثبات الإمامة المنصوص عليها لعلي عليه السلام أثبت - والعياذ بالله - بطلان معجزة الرسالة الكبرى وبالتالي أثبت كذب الإسلامِ ونبوةِ خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)!! (و وقع في المثل القائل جاء ليكحِّلها فأعماها!). لأنه إذا كان رد خلافة علي ارتداداً كما تصرِّح به تلك الروايات التي تقول: لما قُبِضَ النبيّ ارتـدّ الناس على أعقابهم كفَّاراً إلا ثلاثة، ونعلم أن أكثر صحابة النبي بل كلهم بقوا على بيعتهم لأبي بكر، أي بقوا على ذلك الارتداد المزعوم(!) - والعياذ بالله - وماتوا عليه، فطبقاً لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُو كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة:217]، سيكونون جميعاً قد حبطت أعمالهم وسيصيرون إلى نار جهنم خالدين فيها أبداً، إلا ثلاثة نفر!! أولـئك الثلاثة الذين تدل سيرتهم، للأسف أو لحسن الحظ، على أن موقفهم ورأيهم في المسألة كان نفس رأي وموقف سائر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)!! وذلك أن المقداد رضي الله عنه الذي ذكر في بعض الروايات أنه كان أثبت قدما من سلمان وأبي ذر (رضي الله عنهما) في أمر خلافة علي بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هو الشخص ذاته الذي - طبقاً لوصية عمر رضي الله عنه - كان عليه مهمة التعاون والإشراف على أبي طلحة (زيد بن سهل) الأنصاري في أمر تعيين الخليفة من بين الستة: علي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وعثمان، حيث أمر عمر رضي الله عنه أبا طلحة أن ينظرهم ثلاثة أيام فإن اتفقوا على رجل منهم وأبى واحدٌ أن يَضرِبَ عُنُقَه وإن اتفق أربعة وأبى اثنان أن يضرب عُنُقَهما وإن اختلفوا جميعاً بعد المدة المحددة أن يضرب أعناقهم جميعاً(103).

كما أن سلمان رضي الله عنه كان والياً على المدائن من قِبَلِ عمر رضي الله عنه لعدة سنين ولم يُؤْثَر عنه من سيرته المعروفة الواضحة، أدنى اعتراض على خلافة الشيخين (رضي الله عنهما).

فبعد كل ذلك هل يمكن لأي مسلمٍ مؤمنٍ بالقرآن أن يعير مفاد تلك الروايات أدنى التفات؟ ألا ينبغي على كل مؤمن بالقرآن، بينه وبين الله وأمام حكم وجدانه ودينه، - وعملا بالأمر الصريح لأئمة آل البيت عليهم السلام الذين أكدوا مراراً أن ما خالف القرآن من الأخبار المنقولة فهو زخرف وليس عنهم وينبغي أن يضرب به عرض الحائط(104) - أن يحارب ويكذِّب بشدة وبكل ما أوتي من طاقة ووسع أمثال تلك الأحاديث الموضوعة المكذوبة.

لو ألقيت نظرة، أيها القارئ الكريم، على التاريخ الدموي المخزي المليء بالعداوة والخصومة والفرقة، الذي أوجدته تلك الروايات وأمثالها بين المسلمين، لأدركت أن واضعي أمثال تلك الروايات، ومختلقي مثل تلك الأحاديث، هم بلا شك ولا ريب من أشد أعداء الإسلام، أو أنهم أشخاص جهلة كان يحركهم ويحرضهم أعداء الإسلام ليوقعوا الفرقة بين المسلمين، حتى يأتي مثل هذا اليوم الذي نرى فيه المسلمين، على كثرة عددهم وكون معظمهم يسكن في أفضل نقاط المعمورة، ومع وجود كل الوصايا والتأكيدات الإلـهية الآمرة بالاتحاد والاتفاق الناهية عن الفرقة والخلاف، على هذه الدرجة من الذلة والمهانة والضعف والتأخُّر، التي يندر أن يكون لها نظير لدى أي شعب من شعوب الدنيا تملك ما يملكه المسلمون، وأصغر نموذج على ذلك سيطرة حفنة من اليهود عليهم واغتصابهم أرضهم...

أجل، إن كل هذا من بركات أو بالأحرى من الآثار المدمِّرة لأمثال تلك الروايات التي وضعها متطرفون غلاة بعيدون عن الإسلام الحقيقي وروح الدين! روايات أوجدتها وابتدعتها السياسات والأهواء، أو بثها أعداء الإسـلام وغـذّوها وروَّجوا لها.

 

+                 +                 +


 

سِـِيَرُ الصحابة أيضاً مصدِّقة للآيات ومكذِّبة للروايات

نظرة إجمالية أو تفصيلية أيضاً على سِيَر صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تبين بوضوح أنهم كانوا أهلاً حقّاً لمديح رب العالمين وثنائه، فحياتهم المليئة بالفخار تدل على أنهم كانوا زبدة بني آدم. لقد كانوا رجالاً دخلوا في الإسلام دون أي تطميع أو تهديد من قِبَلِ مبلغ الإسلام والصادع به (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثم لم يؤثر فيهم ويصرفهم عن عقيدتهم أي ترغيب أو تهديد، بل كانوا ثابتي الأقدام على عقيدتهم كالجبال الشوامخ، وبالرغم من جميع أنواع التعذيب والآلام والاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له من قِبَلِ مخالفيهم الذين كانوا أصحاب قدرة وثروة وسلطة، حيث كان أكثر أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من طبقة الفقراء والعبيد الذين يعيشون تحت وطأة وسلطان أسيادهم المخالفين لهم في الدين، فكانوا يُهَدَّدون من قِبَلِ أسيادهم ومالكي رقابهم بالتعذيب إلى درجة الموت، وطبقا لبعض الروايات كانوا يصبون الماء الحار على أجسامهم العارية، ويجلدونهم بأسواط الحديد حتى يتفتَّت جلدهم، أو كانوا يُدخِلون رؤوسهم في الماء حتى ينقطع نفسهم، أو كانوا يخرجونهم إلى الفلوات في حر الشمس ويضعون فوق صدورهم الصخر الثقيل ويتركونه فوقهم ثم يأمرونهم بالرجوع عن الدين الذي قبلوه أو على الأقل البراءة من محمد ودينه، ولو تقية، لينقذوا أنفسهم من العذاب (فيأبون)، وكان يوقَـد لبعضهم النار ثم يُمَرُّون عليها فلا يطفئها إلا ودك (أي شحم) بدنهم.

خبَّاب بن الأرتّ رضي الله عنه من المسلمين الذين تحمّلوا أنواعاً من العذاب في سبيل عقيدتهم وإيمانهم بدين الإسلام، فهو من المُعَذَّبين في الله، ولعله من أكثر من تحمل العذاب، يقول عنه ابن الأثير: [خبَّاب بن الأرتّ...مولاته أم أنمار، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وممن كان يُعـَذَّب في الله تعالى كان سادس ستة في الإسلامقال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وخبَّاب وصهيب وعمار وسمية أم عمار، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم وهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس. وقال الشعبي: إن خبّاباً صبر ولم يعط الكفار ما سألوا فجعلوا يلصقون ظهره بالرَّضَف (أي الحجارة التي حميت بالشمس أو النار) حتى ذهب لحم متنه،.. وقال أبو صالح: كان خبَّاب قيِّنا (أي حدَّاداً) يطبع السيوف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه فأُخْبِرَت مولاته بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحمَّاة فتضعها على رأسه توفي سنة 37، قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صِفِّين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال: ما هذه القبور؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن خبَّاب بن الأرتّ توفي مخرجك إلى صفينفقال عليٌّ رضي الله عنه: رحم الله خبِّاباً، أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتُليَ في جسمه ولن يضيِّع الله أجر من أحسن عملاً...](105).

صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه صحابيٌّ آخر من المعذبين في الله والمهاجرين المجاهدين في سبيل الله وقد عاش إلى ما بعد وفاة رسول الله وبايع وأيد الخلفاء قبل الإمام علي عليه السلام. يقول عنه ابن الأثير في كتابه "أسد الغابة في معرفة الصحابة":

[وأسلم صهيب ورسول الله في دار الأرقم، بعد بضعة وثلاثين رجلاً، وكان من المستضعفين بمكة المعذبين في الله عز وجل...ولما هاجر صهيب إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، فنثل كنانته وقال يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، ووالله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك فدلهم عليه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ربح البيع أبا يحيى!" فأنزل الله تعالى ﴿ ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ واللهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ ﴾ وشهد صهيب بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مجاهد قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وبلال وصهيب وخباب وعمار بن ياسر وسمية أم عمار، ثم يقول فأما النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه الله وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون (و منهم صهيب) فأُخِذُوا وأُلْبِسوا أدراع الحديد ثم أُصْهِروا في الشمس..وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه محبّاً لصهيب حسن الظن فيه حتى إنه لما ضُرِبَ أوصى أن يصلي عليه صهيبٌ بجماعة المسلمين ثلاثاً حتى يتفق أهل الشورى على من سيخلف وتوفي صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين وقيل سنة تسع وثلاثين وهو ابن 73 سنة](106).

و جاء في سيرة ابن هشام أيضاً:

[قال ابن اسحق: وحدَّثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يُعذَرون في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطِّشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: أللات والعزَّى إلـهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجُعَل (صرصار الصحراء) ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجعل إلـهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده](107).

لكنهم كانوا بكل شجاعة وشهامة ورشد يرفضون الانصياع لما يريده منهم أرباب القدرة والسلطان عليهم ويصيحون تحت ضربات سياط الحديد الملهبة: أشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا ورسول الله، مسجلين بذلك أسمى آيات الفخار. وبعضهم كان ذا مال وثروة ونفوذ واقتدار، لكن بسبب دخولهم في الإسلام اضطروا ليس للتخلي عن أموالهم ومكانتهم فحسب، بل لأن يغمضوا أعينهم عن الأهل والديار والوطن والأقرباء، ويهاجروا لبلاد غريبة، أيا كانت في هذه الأرض الواسعة حتى لو كانت بلاداً لا تدين بدينهم كالحبشة، مسلِّمين أنفسهم لمصير مجهول، وذلك كجعفر بن أبي طالب ومصعب بن عمير وعبد الله بن مسعود وعتبة بن غزوان رضي الله عنهم وو و...، ومع ذلك كانوا يقبلون على الهجـرة مسرورين راضين ويصرفون نظرهم عن الوطن والقرابة والأصحاب، ولا ينحرفون ذرة عن دينهم.

أجل هؤلاء هم الذين يذكر القرآن الكريم لنا بأفضل صورة كيفية إيمانهم وتحملهم للعذاب وتعرضهم للاضطهاد والإيذاء ويثني على تحملهم الأذى وهجرتهم في سبيله فيقول: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ.الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون ﴾ [النحل:41-42]، ويقول: ﴿ .. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..  ﴾ [آل عمران:195]، ويقول كذلك: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر:8]، حيث يتفق جميع المفسرين بلا خلاف أن هذه الآيات نزلت في المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة.

و لا ننسَ ذلك الدعاء الجميل من أدعية حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليه السلام المسطور في "الصحيفة السجادية" الذي - بدلاً من اعتباره الصحابة المهاجرين والأنصار مرتدين! - يدعو فيه لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنصار ومهاجرين فيقول: «اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به. ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته. والذين هجرتهم العشائر أن تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات أن سكنوا في ظل قرابته. فلا تنس اللهم لهم ما تركوا لك وفيكو اشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه»، ثم الأهم من ذلك أنه عليه السلام يدعو عقب ذلك للتابعين الذين ساروا على هدي أولـئك الصحابة فيقول: «اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك. الذين تحروا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا على شاكلتهم. لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم، والائتمام بهداية منارهم. مكانفين مؤازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، ويتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم..»(108). فأي إنسان، حتى ذلك الذي لا يؤمن ولا يعتقد بالإسلام، يمكنه أن يقبل منطقياً أن هؤلاء ارتدوا فور رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟.

لقد عرضنا في كتابنا هذا بتوفيق الله، بعضاً من سيرة الذين تحمّلوا أنواع المشقات واستقبلوا بصدر رحب، في سبيل المحافظة على دينهم، صنوف المصائب والبليَّات، وبقوا ثابتين مستقيمين على التضحية والوفاء إلى آخر رمق، ومع ذلك ما كان موقفهم عقب وفاة نبيهم في سقيفة بني ساعدة إلا اتباع سبيل سائر المؤمنين، ولم يتكلموا بكلمة اعتراض خلافاً لما تم، وقد اكتفينا بما ذكرنا كنموذج فقط، وإلا فإن كل أصحاب رسول الله(109) كانوا كذلك، وعانوا في صدر الإسلام المشقات وشهدوا الحروب والغزوات. هذا كان من ناحية النقل الذي يبين كذب الروايات، فلنأت الآن إلى العقل لنرى حكمه في هذه القضية؟

 

+                 +                 +


 

العقل منكرٌ للنص

1- إن القول بأن الله تعالى هو الذي نصب وعيَّن الأئمَّة وفرض طاعتهم على العالمين وحرم الجنة على من لم يعرفهم أو لم يتبعهم، مع نسبة صفات الأنبياء لهم مثل أن الوحي يأتيهم وأن عند كل منهم صحيفة خاصة من الله تعالى يؤمر بالعمل بها، وأنهم شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، يأتيهم الملاك ويسمعون صوته وإن كانوا لا يرونه، وأن روح القدس الذي يكون للنبي ينتقل بعده للإمام.. الخ - كما نجد ذلك في عدد من الروايات في كتبنا الحديثية الأساسية خاصة أحاديث كتاب الحجة من كتاب أصول الكافي(110) حيث نُسِبَتْ إليهم في بعض الروايات صفات تفوق حتى صفات الأنبياء، أي لا يوجد في القرآن مثلها حتى للأنبياء أولي العزم من الرسل أصحاب التشريع، فضلاً عن الأنبياء ذوي النبوّة التبليغيّة فقط!(111) - أقول إن مثل هذا القول لا يتناسب مع قاعدة ختم النبوة التي هي موضع اتفاق جميع فرق المسلمين وإجماع الأمة قاطبة.

إذ إن نصبَ الله تعالى وتعيينه أئمةً بمثل تلك الخصائص التي هي من خصائص الأنبياء وفرضَ طاعتهم على كل بني الإنسان، سيكون بمثابة بعث أنبياء جدد بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل إن تلك الخصائص المذكورة للأئمة عليهم السلام أعلى وأهم من خصائص الأنبياء المبلغين الذين كانوا يبعثون لتأييد وتبليغ رسالة النبي الذي ســبقهم(112)، أو على الأقل ليست دونهم مرتبة، وهذا لا يتفق أبداً مع مبدأ ختم النبوّة، فإذا كانت العهود التي سبقت نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) احتاجت لمثل أولئك الأنبياء المبلغين بعد أنبيائهم، فإن عهد الرشد الذي وصلت إليه البشرية بعد خاتم النبيين وسد باب النبوة والرسالة نهائياً، برسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبقِ مجالاً لبعث أنبياء بعده. فإن قيل: لا أحد يعتبر أو يسمي الأئمةَ أنبياءَ، بل رواياتنا تمنع وتكره تسميتهم بذلك بشدة، قلنا إن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فالعبرة ليست بالاسم بل بالمعنى، فإذا نسبت لأولـئك الأئمة كل أوصاف الأنبياء وخصائصهم الإلـهية مثل التعيين من الله تعالى وفرض طاعتهم على العالمين ووحي الله تعالى إليهم بواسطة الملاك وروح القدس الخاص بالأنبياء وعصمتهم المطلقة وأن كل واحد منهم عنده كتاب خاص من الله تعالى يعمل به، وأن معرفتهم والإيمان بهم شرط النجاة الأبدية يوم القيامة... الخ، فهم كالأنبياء بكل معنى الكلمة وإنكار ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ.

وأنا أعتقد أن الذين يصرّون كل هذا الإصرار على الإمامة المنصوص عليها من الله، لم يدركوا كما يجب معنى ختم النبوة.

و قد ألف أحد الفضلاء المعاصرين وهو العلامة الشيخ الأستاذ "مرتضى مطهري" كتاباً قيّماً باسم "ختم النبوة" شرح فيه بشكل ممتاز فلسفة ختم النبوة - هذا رغم أنه بقي على القول بالإمامة بالنص دون أن ينتبه إلى أنها تتناقض مع لوازم نظريته ـ، ومن المفيد هنا أن ننقل بعض العبارات من كتابه ذاك، قال: «إن رسالة نبي الإسلام تختلف عن رسالات سائر الأنبياء الذين سبقوه بأنها من نوع القانون لا البرنامج المفصل، أي أنها دستور عام للبشرية (ص 26). «وحي هذا النبي هو في مستوى دستور كلي أبدي» (ص 30). «النبي الخاتم هو الذي طوى جميع المراحل ولم يبقِ - من ناحية الوحي الإلـهي - أي طريق لم يُـطرَق أو نقطة لم تُكـتَشـف» (ص34). «الوحي الإلـهي أعلى مظاهر الهداية وأرقى درجاتها. الوحي يتضمن إرشادات خارجة عن متناول الحس والخيال والعقل والعلم، ولذلك لا يمكن لشيء من هذه الأمور أن يحل محل الوحي. ولكن الوحي الذي له تلك الخواص هو الوحي التشريعي لا التبليغي، أما الوحي التبليغي فعلى العكس. طالما لم تصل البشرية بعد إلى درجة النضوج الكامل في العقل والعلم والمدنية بحيث يمكنها أن تقوم بنفسها بحمل رسالة الله والقيام بمهمة الدعوة والتعليم والتبليغ والتفسير والاجتهاد، فإن الحاجة للوحي التبليغي تكون لا زالت باقية. ظهور العلم والعقل وبعبارة أخرى وصول الإنسانية لمرحلة الرشد والبلوغ، ينهي تلقائياً مرحلة الوحي التبليغي، حيث يصبح العلماء هم ورثة الأنبياء» (ص 47). «في الواقع، أحد أركان الخاتمية هو البلوغ الاجتماعي للبشر إلى الحد الذي يصبحون معه قادرين على حفظ مواريثه العلمية والدينية والقيام بنشرها وتعليمها وتفسيرها» (ص 13).

و إذا رأينا أن نبياً من أنبياء بني إسرائيل يقوم - بأمر الله تعالى - بتعيين "طالوت" ملكاً عليهم (البقرة/ آية 246)، وهو ما يدّعي مثله القائلون بالإمامة بالنص بالنسبة للأئمة عليهم السلام، فإنّ هذا إنّما تمّ (بالنسبة لطالوت) لأنه كان من الأمور التي - على حد قول الأستاذ مطهري ـ: «لا بد أن تتم بالوحي في مرحلة طفولة البشرية» (ص 87) أي المرحلة التي تكون البشرية فيها لا تزال بحاجة لكلا نوعي النبوة: التشريعي والتبليغي. «فقد كانت البشرية، قبل عدة آلاف من السنين، غير متمكّنة من الحفاظ على مواريثها الدينية والعلمية ولم يكن من الممكن توقع خلاف ذلك منها» (ص 12) لأنها لم تبلغ في إمكانياتها ووسائلها ورشدها الاجتماعي والسياسي والفكري إلى الحد الذي يمكنها من المحافظة على تراث الأنبياء نقياً بلا تغيير ولذا كانت «التحريفات والتبديلات تظهر في تعاليم الأنبياء وكتبهم المقدسة... وبالتالي كانت تلك الكتب والتعاليم تفقد صلاحيتها لهداية الناس» (ص:11). ولكن بعد نزول قوله تعالى ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر:9] «انتفى الداعي الرئيس للرسالات الجديدة ولبعث أنبياء جدد» (ص 12). وعلى حد قول المفكر الباكستاني محمد إقبال اللاهوري: «لا يمكن للبشرية أن تبقى للأبد بمرحلة الطفولة والحاجة للإرشاد من الخارج. إلغاء الكهانة والملك الوراثي في الإسلام، والتأكيد الدائم في القرآن الكريم على العقل والتجربة، والأهمية التي أولاها ذلك الكتاب المبين للطبيعة والتاريخ كمصادر للمعرفة البشرية، كل هذا مظاهر مختلفة لفكرة واحدة هي ختم الرسالة»(113).

لذلك نرى - في ضوء ما ذكر أعلاه - أن النص من جانب الله، على إمامة وحكم أفراد معينين، إن تم مثله قبل ختم النبوة، - مع أننا لم نجد مثل تلك الأوصاف الخارقة التي تنسَب للأئمة عليهم السلام حتى للأنبياء المبلغين السابقين! - فإنه ليس معقولا ولا يمكن أن يتم بعد ختم النبوة والرسالة بنوعيها التشريعي والتبليغي.

2 - إن تعيين ونصب عدد معين من الأشخاص سواء اثنا عشر أو إحدى عشر أو سبع..الخ لحكم البشرية وسياستها لمدة مئات آلاف السنين إلى يوم القيامة أمر مخالف للعقل وللمنطق ولواقع الحياة، لأن المدة التي يمكن لهؤلاء الاثني عشر شخصاً أن يعيشوا فيها ويحكموا الناس فعلا، لن تتجاوز المائتين وسبعين إلى ثلاثمائة عام! في حين أن الإسلام دين أبدي خالد، والمسلمون يحتاجون لحاكم فعلي يسوسهم وينفذ فيهم أحكام الله تعالى في جميع الأزمنة والأعصار، حيث لا يجوز تعطيل أحكام الشرع ولا لحظة واحدة. فلا بد أن يكون الشارع المقدس قد بين الطريق والمنهج الكلي في قضية الحاكم واختياره عندئذ، لأنه لا يمكن أن يترك الشرع هذا الأمر الحياتي دون أن بيان إطاره أو خطوطه العريضة الكلية للناس وهو الدين الأبدي الكامل.

فإذا أقر القائلون بالنص على وجود مثل هذا التعليم لكن قيدوه بما بعد انتهاء عهد ظهور الأئمة المنصوبين المنصوص عليهم، أرجعنا نحن نفس هذا التعليم إلى كل الفترة الزمنية التي تتلو رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة بلا استثناء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تفاوت في تعاليم الشرع بين فترة زمنية وفترة أخرى، أي لا يمكن أن يكون هناك تعليم خاصٌّ بالنسبة إلى جزء من الزمن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعليم آخر مختلف بالنسبة إلى بقية الزمن بعد ذلك إلى يوم القيامة، إلا بدليل، ولا دليل لدينا تقوم به الحجة القاطعة.

3 - النص من جانب الله تعالى على أشخاص معينين بأسمائهم ليكونوا حكاماً زمنيين على الناس، في العصر الذي بلغت فيه البشرية سن الرشد وختمت به النبوات وحُفِظ فيه الكتاب السماوي الخالد بلا تغيير أو تبديل أو زيادة أو نقصان، أمر لا ينسجم مع فلسفة التشريع وهدف الخلق الذي هو ابتلاء الناس وامتحانهم. فقد صار على المسلمين الآن أن يديروا مجتمعاتهم بأنفسهم ويُمْـتَـحنوا في مدى التزامهم بالعمل بمشيئة الله وتعاليم كتابه. عليهم - بالرجوع إلى أوامر الشرع المقدس ونواهيه - أن ينتخبوا رئيسهم وأن يميزوا بين الصالح والطالح وبين المتقي والفاجر، ثم يكونوا رقباء عليه يطيعوه ويعينوه إذا أصاب ويسددوه ويقوموه إذا انحرف، أما إذا عين الله تعالى فرداً أو أفراداً مخصوصين لحكم وسياسة المسلمين على الدوام، فإن كل فلسفة ابتلاء الناس وامتحانهم وفتنتهم هذه تبطل، وتصبح كل أوامر ونواهي الشرع التي تبين من تجب طاعته ومن يتوجب عصيانه، بلا معنى، حيث يخرج الاختيار من يد الفرد والجماعة عندما يتوجب عليهم الطاعة العمياء للقائد الحاكم الذي له القدرة، بسلطته، على إجبار الناس على تنفيذ أقواله واتباع أوامره، خاصة أن القائلين بالنص يعتقدون أن المنصوص عليهم معصومون مطلقاً فلا مجال للسؤال والنقاش عند إطاعة أوامرهم. هذا في حين أننا نرى أن في القرآن الكريم آيات عديدة تحدد من تجب طاعته ومن تجب معصيته:

فأوَّلاً: ليس في القرآن الكريم أمر بالطاعة المطلقة إلا لِـلَّـه ورسوله فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿ قل أطيعوا الله والرسول...  ﴾ [آل عمران:32]، ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله...  ﴾ [النساء:64]، ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله...  ﴾ [النساء:80]. أما ما عدا الله تعالى ورسوله فطاعته مشروطة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [النساء:59].

وثانيا: حددت كثير من الآيات صفات من تجب طاعته كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ...  ﴾ [التوبة:100]، ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ ﴾ [يونس:35]، ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ [لقمان:15]، ﴿ وَقَالَ الَّذِي ءَامَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر:38]. ونحوها من الآيات الكريمة.

في حين بينت آيات عديدة أخرى صفات من تجب معصيتهم وتحرم طاعتهم، مثل: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ [الأعراف:142]، ﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف:28]، ﴿ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ﴾ [الشعراء:151-152]، ﴿ ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ﴾ [الجاثية:18]، ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَو تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ. وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ [القلم:8-13]، ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَو كَفُورًا ﴾ [الإنسان:24]، ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء:115].

فلو كان ثمة أئمة حكامٌ منصوصٌ عليهم ومعصومون، وبالتالي الوحيدون الذين تجب طاعتهم المطلقة على المؤمنين، لقال الشارع عليكم طاعة فلان وفلان فقط، ولما كان هناك حاجة لمثل تلك الأوامر والنواهي الكلية! في حين أن هذه التعاليم تعتبر دستوراً تسترشد به الأمة في تعيينها لحاكمها، وتميّز به بين اللائق لهذا المقام ومن لا يليق به، أي أن زمن المسؤولية ابتدأ مع ابتداء عهد ختم النبوَّة، وفي الواقع إن الإسلام لديه حسن ظن بالبشرية أكثر من القائلين بالإمامة المنصوصة(114).

4 - لم يكن لأي نبي من الأنبياء السابقين ولا في أي شريعة من الشرائع الإلـهية الماضية أوصياءُ منصوصٌ عليهم للإمامة والحكم، معصومون يجب على الأمة طاعتهم تعبداً وديانةً. والادعاء بأن لكل نبيٍّ وصيٌّ نصَّ عليه ليخلفه في شأن الحكم واستلام زمام الأمور ادعاء عار من الحقيقة ولا أساس له، ولا غرو فمثل هذا لو حصل يكون، كما أوضحنا سالفاً، نقضاً للغرض المراد من وراء تشريع الشرائع، أعني امتحان الناس واختبارهم، إذ يسلب من الناس (المحكومين) مجال الاختيار والتمييز بين الصواب والخطأ في كل فعل وأمر، والقرآن المجيد والعقل السليم لا يصدقان مثل هذا الادعاء، كما لا يوجد في التاريخ ما يؤيده.

نعم يمكن للنبي أن يعين وصياً أو أوصياء للقيام بأمور شخصية خاصّة مثل غسله وكفنه ودفن جثمانه وأداء ديونه أو القيام بشأن عياله وأولاده الصغار ونحو ذلك، أما تعيين وصي ليكون إماماً وحاكماً ورئيس سلطة مفروضاً من الله ويحكم بأمر الله، فهذا - في تصورنا ورأينا - ما لا يفعله لأنه لا ينسجم مع جوهر الدين القائم على الامتحان الإلـهي للعباد.

5- فور وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام المهاجرون والأنصار، دون إضاعة للوقت، بالاجتماع في سقيفة بني ساعدة لتعيين الرئيس الذي سيكون حاكما عليهم، وأخذوا يتناقشون ويتشاورون لتحقيق هذا الغرض مما يفيد أن هذا الأمر سبيله، في نظرهم، هو البحث والتشاور، وأن إقامة الحاكم هو بلا شك واجب شرعي ضروري على المسلمين، ولم يأت خلال المناقشات، كما بينا، أي ذكر لكون الحاكم لا يُختار بل هو منصوص عليه من الله، ومن البديهي أنه لو كان للحكومة أي ارتباط بالنص والتعيين الإلـهي، لوقعت الإشارة لذلك ولذكَّر به البعض على الأقل، مع أن أحداً لم يتكلم بمثل هذا أبداً، ولا أحد طلب من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينصب لهم الحاكم بنفسه لأنهم كانوا يدركون أن هذا مناف لأصل التكليف.

6- في تاريخ الأديان السماوية، وجدت حالات قليلة لحكام عينهم الله تعالى نفسه للحكم في ظروف محددة معينة، مثال ذلك تعيين الله تعالى لطالوت ملكاً على بني إسرائيل، ليقودهم في محاربة الوثنيين الذين كانوا لا يتوقفون عن شن الغارات عليهم ويخرجونهم من ديارهم ويقتلون أبناءهم.. كما أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة (انظر الآيات: 246 إلى 251). ولكن طالوت الملك على الرغم من أن الله تعالى اصطفاه لهم لما أوتي من بسطة في العلم والجسم، إلا أنه لم يكن معصوماً، بل عندما قَتـلَ داودُ جالوتَ، وكان طالوتُ قد وعد من قَتل جالوت أن ينكحه ابنته، لكن بعد أن صارت لداود شعبية وأصبح محبوباً في بني إسرائيل خشي طالوت منه على ملكه فسعى في قتله فعلم داود ذلك ففر منه... إلى آخر ما جاء في التواريخ التي ذكرت هذه القصة. فتبين أنه بالنسبة لذلك الحاكم الذي ابتدأ تعيينه ونصبه بأمر من الله لم تكن هناك عصمة مطلقة!

أما بالنسبة لتواريخ سائر الأمم والشعوب من أتباع الأديان غير السماوية فقد حصلت ادعاءات للحكم بأمر الله وبتعيينٍ منه بل اعتبرت بعض الشعوب حكامها ممثلين لِـلَّهِ تعالى في الأرض أو ظل الله في أرضه، يحكمون بإرادته وأمره وتجري في عروقهم دماء زرقاء تختلف عن دماء سائر البشر، مثل فراعنة مصر وملوك فارس وأباطرة اليونان والرومان، وأباطرة اليابان والصين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الشمس ووارثي سلطان الله على الدنيا (و أن الملك حقهم الإلهي) تتوارثه ذريتهم جيلا بعد جيل، وهذا النوع من الحكم أطلق عليه اسم الحكم الثيوقراطي. وإذا كان مثل هذا النوع من الحكم الثيوقراطي من الممكن أن يلقى قبولا في العصور القديمة والقرون الوسطى وعهود الظلام والجهل القديمة، أما اليوم وبفضل نور الدين والعلم وتقدم البشر في الحقوق الاجتماعية والإنسانية، لم يعد لمثل هذه الادعاءات رونق ولا قبول، سيما أن الناس رأت كيف أنه عندما يصبح المُلْكُ مطلقاً ووراثياً فإنه يتحول إلى آلة فساد واستبداد ويأتي إليه من لا يتصف بالصفات الضرورية للحاكم كالعلم والعدل والمساواة والنـزاهة والاستقامة وحسن التدبير والشجاعة.

 

+                 +                 +


 

إذن ما حقيقة قصة الغدير؟

أحد القضايا التي يغفلها الكثيرون ولا يميلون للبحث فيها في موضوع الإمامة بالنص هو دراسة خلفية حادثة الغدير، أي الأمور التي حدثت في السنة العاشرة للهجرة وكانت الخلفية الأساسية التي أدت لواقعة الغدير، في حين أن الاطلاع على هذه الخلفية ضروري جدَّاً للفهم الصحيح لخطبة غدير خم.

خلاصة قصة الغدير، طبقاً لما روته كتب التاريخ الإسلامي مثل سيرة ابن هشام (ج 4/ص 274) التي هي أقدم كتب السيرة المتوفرة، وتواريخ وتفاسير الفريقين الشيعة والسنة، كتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي(115) وتفسير ابن كثير وتاريخ البداية والنهاية لابن كثير أيضاً، وكتاب مجالس المؤمنين (ج1/ص43) للقاضي نور الله الشوشتري(116) وغيرها من كتب الرواية والحديث لدى الفريقين(117)، ما يلي:

في السنة العاشرة للهجـرة توجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى مكة المكرمة ليؤدي مناسك الحج الإسلامي ويعلّمها الناس ولتكون فرصة يعطي فيها المسلمين الذين انضووا تحت رسالته آخر وصاياه، وأرسل (صلّى الله عليه وآله) رسائل إلى رؤساء القبائل العربية وعماله في نواحي الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى المجيء لمكة في أيام الحج ليؤدوا المناسك معه، وكان من جملة الرسائل كتابٌ بعث به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان في ذلك الحين في اليمن، حيث كان (صلّى الله عليه وآله) بعثه لجمع أموال الزكاة فيها، دعاه فيه كذلك إلى الحضور لمكة أيام الحج، فوصل الكتاب لعليٍّ وهو في اليمن أو في طريقه من اليمن إلى المدينة حاملاً أموال الزكاة، فرأى عليه السلام أنه لو أراد أن يأتي مكة بما معه من أموال بيت المال - التي كان أغلبها في ذلك الوقت من المواشي كالإبل والبقر والغنم - لما استطاع الوصول إلى الحج في الوقت المطلوب، لذا اضطر أن يوكل أمر حمل أموال الزكاة إلى الذين كانوا برفقته، كأبي بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، وينطلق بمفرده مسرعاً إلى مكة، فوصل مكة ولقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم السابع أو الثامن من ذي الحجة، وبعد أداء مناسك الحج، قـفل راجعاً إلى طريق اليمن ليكمل مهمته في حمل أموال بيت المال، فلقي القافلة وهي في طريقها إلى المدينة، ووجد بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد تصرّفا في بعض أموالها، سيما بعض الحلل اليمنية، فغضب، كما هي عادته تجاه أي تصرف شخصي ليس في محله في بيت مال المسلمين، فنهر بريدة وخالداً ووبخهم على صنيعهم، وفي بعض التواريخ أنه عليه السلام سبهم وضربهم، فكبر ذلك عليهم، لا سيما أنهما كانا من الوجهاء والأكابر في قومهما، فحملا في قلبهما بغضاً لِعَليٍّ واستعدّا للانتقام لأنفسهما فأرسلا شخصاً إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذي كان في طريق عودته من مكة إلى المدينة، وفي بعض التواريخ أنهم ذهبوا إليه بأنفسهم، واشتكوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنف وشدَّة علي معهم، إلى درجة أن بعض التواريخ تذكر أنهم سبُّوا علياً في محضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلما رأوا علامات الغضب على وجهه (صلّى الله عليه وآله) وظنوا أنه غضب لأجلهم من علي، واصلوا الشكوى بلهجة أكثر حدة، عند ذلك نهاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومنعهم من هذا الكلام وذكر طرفاً من فضائله، وكان مما قال:  "ارفعوا ألسنتكم عن علي فإنه خشن في ذات الله غير مداهن في دينه"، أو: "أيها الناس لا تشكو علياً فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يُشكَى"(118)، أو "ما لكم ولعلِيّ! علِيٌّ منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي"(119)، أو "من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه"(120).

لكن خالداً وبريدةَ والآخرين كانوا قد أساؤا القول من قبل بحق عليٍّ أمام الصحابة الآخرين بما فيه الكفاية، ولعلهم استمروا في ذلك حتى بعد نهي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم، مما شـوّه صورة علي في ذهن عديد من الصحابة، لا سيما أن عدداً منهم لم يكن قد تعرّف على عليٍّ بعد، فلما رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، شعر أنه لا بد من الدفاع عن شخصية حضرة عليّ البارزة المتميزة ويعرّف المسلمين بعلو مقامه وذلك قبل أن يتفرق المسلمون هنا وهناك عائدين إلى بلدانهم(121)، ثم بالإضافة لكون الدفاع عن شخصية مؤمن مسلم ممتاز أمراً لازماً وواجباً شرعاً، فإنه مما لا شك فيه أيضاً أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يميل في قلبه إلى أن يرتضي المسلمون من بعده علياً لولاية أمرهم وإمامتهم وحكمهم، لهذا كله قام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أثناء توقفه لصلاة الظهر بجوار غديرٍ يُدْعى خُـمَّاً - بإلقاء كلمة عقب الصلاة أشار فيها لدنو رحيله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولمقام أهل بيته ثم عرَّف المسلمين بذلك الجناب (أي علي) وبيّن وجوبَ موالاته ومحبته على كلّ مسلم، لكن ما قاله وبيّنه لم يكن معناه أبداً فرضَ إمارته والنصّ على خلافته بأمر الله تعالى وحكمه، وذلك للدلائل العقلية والنقلية التي سبقت والتي ستأتي إن شاء الله.

 

+                 +                 +


 

هل أُريد بحديث الغدير النص على عليٍّ بالإمارة والخلافة؟

للدلائل التالية نعتقد أن هذا الحديث ليس نصّاً على عليٍّ بالإمارة السياسية:

1- أوّل دليل على ذلك أن أحداً من الذين شهدوا ذلك الاجتماع وسمعوا تلك الخطبة لم يفهم منها هذا المعنى، ولهذا لم يأت أحدٌ على حديث الغدير بذكر في سقيفة بني ساعدة ولا حتّى أُشير إليه مجرّد إشارة، ولا استند إليه أحدٌ بعد ذلك في تمام عهد الخلفاء الراشدين، إلى أن جاء المفرِّقون بعد عهدٍ طويلٍ فاستندوا إليه وقالوا ما قالوا.

2- لم يأت أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام نفسه ولا أنصاره من بني هاشم وغيرهم في السقيفة وبعد نصب أبي بكر رضي الله عنه للخلافة، على حديث الغدير بذكر ولا استندوا عليه لإثبات النص على علي، وحتى الاثني عشر نفراً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين - طبقاً لادعاء بعض الروايات - احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه مؤيدين لحق علي في الخلافة، لم يستندوا إلى هذا الحديث لإثبات أولويته عليه السلام بأمر الخلافة، وعندما جاء في كلمات بعضهم ذكر لهذا الحديث، كان على سبيل ذكر الفضائل والمناقب لا على أساس أنه نص إلهي قاطع من جانب الله، هذا بغض النظر عن أن حديث احتجاج النفر الاثني عشر يحتاج لتمحيص أكثر للتأكد من صحته أو سقمه لأن احتمال وضعه قوي جدَّاً بل يقيني.

3- قوة إيمان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومدح القـرآن لهم يتناقض تماماً مع ادعاء كتمانهم للإمامة وردهم للخلافة المقررة من قبل الله عز وجل، خاصة أنه كما تبين معنا لم يكن لدى الكثير منهم أي مانع أو اعتراض على زعامته حيث صرّحوا أنهم لو سمعوا كلام علي قبل تمام بيعتهم لأبي بكر لما تخلفوا عن بيعته، مما يؤكد عدم وجود أي دافع لهم لكتمان خطبة الغدير أو للإعراض عن العمل بها لو كانوا قد فهموا منها حقَّاً النصب الإلـهي لعلي خليفةً وإماماً.

4- كون قصة الغدير - كما تبين - أوجبتها قضية تصرف خالد وبريدة بأموال الزكاة بلا وجه حق والتي أدت لغضب علي عليه السلام وتعنيفه لهم(122) مما أثار سخطهم عليه وشكايتهم إياه إلى رسول الله، يبين أن مراده (صلى الله عليه وآله وسلم) من خطبته تلك أن يؤكد على المسلمين محبة ونصرة وتقدير علي عليه السلام.

5- الجملة المهمة والحاسمة في حديث غدير خم والتي يتفق جميع المسلمين على صحة صدورها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): [من كنت مولاه فهذا علي مولاه]. والانتباه الدقيق لمعنى هذه الجملة من شأنه أن يرفع كثير من الإشكالات. فهذه الجملة لا تفيد بالضرورة معنى الخلافة والإمامة لعلي بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للدلائل التالية:

أ - ذكر العلامة عبد الحسين الأميني في كتابه "الغدير" - نقلا عن علماء اللغة - لكلمة "المولى" سبعة وعشرين معنى وهي:

1- الربّ 2- العمّ 3- ابن العمّ 4- الابن 5- ابن الأخت

6- المعتِـق 7- المعتَق 8- العبد 9- المالك 10- التابع

11- المنعَم عليه 12- الشريك 13- الحليف 14- الصاحب 15- الجار

16- النـزيل 17- الصهر 18- القريب 19- المنعِم 20- الفقيد

21- الولي 22- الأولى بالشيء 23- السيد غير المالك والمعـتِق 24- المحب

25- الناصر 26- المتصرِّف في الأمر 27- المتولي في الأمر.

و رغم كل ما بذله العلامة الأميني من جهد، لم يُوَفَّق في استخراج معنى: الخليفة أو الحاكم أو الأمير... لكلمة "المولى"، واعترف أن لفظ "المولى" من الألفاظ المشتركة وأنه أكثر ما يقصد به هو "الأولى بالشيء" (أي المعنى الثاني والعشرون). وعليه فلا يمكن فهم المعنى المراد من "المولى" بدون قرينة. فإذا انتبهنا لقرينة السبب الذي أوجب إلقاء هذه الكلمة، وإلى القرينة اللفظية المتجلية في تتمة الحديث: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره...» لم يعد من الصعب أن نعرف أن المعنى المراد من "المولى" هنا هو شيء يجمعه المعاني: الصاحب (الصديق) المحب الناصر (المعاني: 14 و24 و25)، لأن معنى التتمة هو: اللهم صادق وأحب ووالي كل من يصادق ويحب ويوالي علياً وعاد كل من يبغض ويعادي علياً(123).

ب - كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد من الناس محبة علي، حيث أن الباعث لكلمته تلك كان موقف خالد وأبي بريدة وبعض الصحابة من علي كما بينّا.

ج - لا يُفْهَم أبداً من كلمة المولى معنى الخليفة والإمام ولم تأت هذه الكلمة في لغة العرب بهذا المعنى.

6 - في جملة "من كنت مولاه فعلي مولاه" نقطة ذات دلالة مهمة جدَّاً، كثيراً ما حالت غوغاء الجدال والعصبية المذهبية من التنبه إليها رغم وضوحها الشديد، وهي أن كلمة "مولاه" أيا كان المعنى المراد منها، فإن معنى الجملة لن يكون إلا أنه: كل من أنا الآن مولاه فإن عليّاً الآن أيضاً مولاه، وبعبارة أخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة "فعلي مولاه" يريد تأكيد الثبوت المتزامن لعلي لنفس الأمر الذي هو ثابت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الآن. فلو فرضنا جدلا أن المقصود من كلمة "مولاه": حاكمه وإمامه (رغم عدم مساعدة اللغة على ذلك)، للزم أن يقيّدها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيد: [بعدي]، لأنَّ علياً لا يمكنه أبداً أن يكون إمام المسلمين وحاكمهم مع وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)!، مع أن مثل هذا القيد لا يوجد في أيٍّ من روايات الحديث.

7- طبقاً للروايات والأحاديث الضعيفة الواهية السند الكثيرة للقائلين بالنص، فإن خلافة وولاية علي عليه السلام أهم غرض ومراد لرب العالمين! إذ يدَّعون أن جميع رسل الله تعالى وأنبيائه الكرام من لدن آدم إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بينوا لأقوامهم مسألة إمامة علي وولايته، كما بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأمر أكثر من ألف مرة منذ بداية بعثته وإلى رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكّر به في كل مناسبة، في مجالس فردية أو جماعية، كما نزلت أكثر آيات القرآن في هذا الأمر، رغم كل ذلك لم يول أحد هذا الأمر عناية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكأن الله تعالى - والعياذ بالله - عجز عن تحقيق إرادته، مع أنه القائل: ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ﴾ [المجادلة:21]. فكيف تأتَّى أن يُهْجَرَ مثل ذلك الأمر ويُنْسَى نهائيا على ذلك النحو؟؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يكن على الصورة التي ذكروها؟

8 - تشير سنة الله تعالى إلى أنه عندما يريد أن يختار أحداً من عباده ويبعثه للدعوة والإصلاح، فإنه يصطفيه من بين الضعفاء والفقراء ويخلع عليه خلعة النبوة، ثم يؤيده وينصره على جبابرة الدنيا وعتاتها، ليحقق بذلك إرادته. ومن هنا نرى أن الله سبحانه يجتبي إبراهيم عليه السلام من عائلة وثنية تنحت الأصنام، فيبعثه سبحانه ليشيد بنيان التوحيد على ذلك النحو، ورغم اضطهاده وإجباره على الهجرة والخروج من بيته وموطنه، كانت إرادة الله تعالى هي الغالبة في نهاية المطاف، ووصل إبراهيم لذلك المقام العظيم الذي قال فيه سبحانه: ﴿ ...فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:54]. وأرسل موسى عليه السلام بلباس الراعي ونعله وعصاه، إلى فرعون، مدّعي الألوهية ومالك ملك مصر، فنصره عليه ومنحه قوة وقدرة جعلت فرعون وآله يصيرون إلى قاع البحر، وغدا موسى بعصاه ويده البيضاء مؤسساً لسلطان ملوك كبار من بعده (من بني إسرائيل)، ويأتي بدين وكتاب بعث الله تعالى بعده أكثر من سبعين ألف نبيٍّ لتجديده وإحيائه.

وكذلك اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتيم أمي من أم أرملة فقيرة توفي زوجها قبل أن يولد وما ترك لها إلا وليدها الصغير وأربع عنزات وبغلة، فأضفى عليه سبحانه عظمة وقدرة وأصبح دينه أبدياً خالداً، وأخضع له رقاب كبار الطغاة في عصره، فإذا به يكتب، خلال المدة القصيرة لبعثته، رسائل لستةٍ من كبار سلاطين الدنيا في عصره الذين كانوا ملوك العصر الذين لا يُنازَعون، يدعوهم فيها للدخول في دينه، ثم لا تمضي مدة قصيرة إلا وتنضوي جميع تلك البلدان، التي كتب لملوكها الرسائل، تحت سلطان الدولة الإسلامية التي أسسها، ويبقى دينه خالداً ما بقي الدهر.

فلو أن خلافة علي وولايته كانت حقاً غاية إلهية عظيمة من وراء خلق الكون، وكان الله ورسوله يريدان ذلك كما تشير إليه كل تلك الأحاديث الواهية والروايات الضعيفة السند، فلماذا لم يستطع الله(!) - تعالى الله عن ذلك - حتى بيان ذلك المطلب بشكل قاطع وصريح في كتابه الكريم وبواسطة نبيه الكريم أو أي أحد آخر من عباده لتتحقق إرادته وينتصر هدفه ولا يضل الناس ذلك الضلال المبين؟، هذا إن كان عدم توليته ضلالاً مبيناً حقاً، أوليس هو تعالى القائل: ﴿ والله غالبٌ على أمره ﴾ والقائل: ﴿ ألا إن حزب الله هم الغالبون ﴾؟ فكيف نفسر هذا الفشل في تحقيق ذلك المراد الخطير؟ اللهم إلا أن نعترف بأنه لم يكن هناك مثل هذا الهدف والقصد وأن تلك الادعاءات العريضة ادعاءات لا أساس لها.

9- والأهم من ذلك هو تلك الطريقة العجيبة التي ليس لها سابقة والتي لا يمكن أبداً تبريرها التي يدعون أن الشارع تعالى بين بها أصل "الإمامة المنصوص عليها"، رغم أهميته العظيمة. وهذه قضية جديرة بأن تفتح الطريق أمام المنصفين والمتجردين لطلب الحق لاكتشاف حقيقة القضية.

فإن في القرآن الكريم مئات الآيات البينة المحكمة التي تقرر أصل "التوحيد" وكذلك عشرات بل مئات الآيات التي تتكلم عن "اليوم الآخر"، وكذلك ليست قليلة الآيات الواضحة التي تقرر أصل "النبوة العامة" وتبين وتستدل على أصل "نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاصة"، وهكذا حول بقية أصول الدين وأركان الإيمان، بل لقد بين القرآن أيضاً كثيراً من الفروع (حتى الجزئية الصغيرة منها كلزوم رد التحية بأحسن منها والتوسع في المجالس.. إلخ)، وقد بين القرآن كل تلك الأصول بعبارات واضحة جلية محكمة لا مجال للبس أو الاحتمال أو الغموض فيها، يفهم منها المراد مباشرة - بنحو الإجمال على أقل تقدير - بدون الحاجة للاعتماد على الحديث. ولكن لماذا ترك القرآن هذه الطريقة في بيانه أصل "الإمامة" الخطير الذي هو مناط السعادة وحفظ الدين كما يقولون؟؟! وأما الآيات التي يذكرونها على أنها تنص على موضوع الإمامة فهي آيات يقتضي قبول ارتباطها بموضوع الإمامة أن نغمض النظر عما قبلها وما بعدها من آيات أي عن سياقها، بل أحياناً يقتضي أن لا نكمل الآية إلى آخرها أي أن نقصّ العبارة من الآيات قصّاً!! علاوة على الإشكال الأكبر وهو أنها آيات لا تفيد المدعى إلا بمساعدة الحديث، وبدونه لا تدل على المطلوب أبداً؟!! حقّاً إنه لعجيب جدَّاً هذا الاستثناء في طريقة الشارع المقدّس في بيانه لأصول الدين، حيث بدلاً من الصراحة والوضوح المعهودين دائماً منه، يختار هنا - في هدايته الأمة لهذا الأصل العظيم - الإبهام والغموض. وحتى عندما نأتي للحديث الذي يدعون أنه نص على الإمامة نجده غير قاطع في المراد، ونجده يستخدم كلمة "مولى" التي يعترف المؤيدون للإمامة بالنص، أن لها على الأقل سبعة وعشرون معنى في اللغة العربية!!! ونجد سياق الحديث وملابساته وقرائنه تدل على أن المراد بالمولى أمر غير الإمامة والإمارة. هذا في حين أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شديد الحرص على هداية قومه(124) وكان "أفصح من نطق بالضاد"، فلا شك أنه لو أراد هداية أمته وإتمام الحجة عليها ببيان أصل أساسي وخطير من أصول الدين لبينه بعبارات واضحة جلية لا لبس فيها، لا بعبارات مشتبهة مشتركة يعسر فهم المراد منها!!(125).

هل أهمية أصل "الإمامة" أقل من قصة "زيد بن حارثة" رضي الله عنه الذي ذُكِر اسمه صريحاً في القرآن؟! هل يمكن قبول هذا التفاوت إلى هذا الحد في طريقة بيان أصول الدين؟! ليت شعري هل فكَّر القائلون بالإمامة المنصوصة من الله تعالى بهذه القضية أنه لماذا لا يوجد في القرآن الكريم أي أثرٍ لأصل هذه الإمامة رغم أنها عندهم أعلى من "النبوة والرسالة"؟!(126) هل يمكن أن نتصور أن قائل: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام:38] و﴿ ..وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل:89] يغفل ذكر موضوع على ذلك الجانب من الخطورة والأهمية؟؟! هل أهمية قصة أصحاب الكهف الذي لم يغفل الله تعالى حتى ذكر كلبهم أكثر من أهمية موضوع الإمامة؟؟ هل يترك القرآن الكريم - الذي أنزله الله تعالى لهداية الناس إلى يوم القيامة - البيان القاطع الشافي لموضوع وقع فيه الاختلاف بين الأمة لقرون بل أدى أحياناً لحروب ومنازعات بينها في حين يذكر بالتفصيل قصص السابقين مثل ذي القرنين ولقمان وهارون و...؟ هل يمتنع الله تعالى الذي لم يمتنع عن ذكر البعوضة في القرآن أن يذكر موضوع الإمامة؟؟ هل هكذا كانت تكون طريقة هداية الناس؟